” أبو العلاء يلتقي طيفاً” الفصل الاول / بقلم ميسون عوني في 3-1-2017 @MaysoonAwni

 

أبو العلاء المعري هو أحمد بن عبد الله بن سليمان القضاعي التنوخي المعري (363 

-449هـ)، (973 -1057 م*وتفصيل حياة أبي العلاء عند البحث في رسالة الغفران

في ديجارة الليل وعتمة البَصَرْ وتفتحْ العقلْ ونضوج الفِكِّر

في هدأتٍ بين السَّحَرِ والفلقْ

همس عاشق الليل لفجر شفيف يتنفس

إنتظرعسى القلب يرتل عذوبة لحن وشجن

إنتظر عسى أن ألتقي بأمل عشت أكتمه

أو إقترب  من أين لي بالأمل؟

إقترب شدة اليأس توقظ الأمل

إقترب عذاب الألم يُحَفَّز الأمل

أبو العلاءبعد عناء يومٍ  حافل

ترائى له خيالاً

يلطف من وحشة الظلام  شوقاً

كيف هذا؟

إنه يرى هالة شفافة ترفل بشاهق الأبيض الرائق

يتوشح هُدبها بشال من حرير دمشقي

مطرزاً بجلال خط عربي

أكاد أرى سحر عينيها

قوامها

تخطو نحوي تتمايل أمامي وأكادألمسها بيدي

أكلمها

من أنتِ

ألا تعرفني ؟

وترنم في أسماعه صوتاً ،عزف وتراً من روح زرياب مخترقاً الزمان والمكان

ليستقر في أسماعه روحاً ترفرف وقلباً يخفق ودفئاً يحتضن

من أنتِ؟

سأعرفكَ بنفسي

أنا

حلم حياتك وأمل أحلامك

لا أعرفكِ

تعرفني ،وتتجاهل، لتقنع الناس بزهدك

كيف؟

ألست القائل هذا ما جناه عليَّ أبي وما جنيت على أحد؟

نعم قلت ذلك

ولكن هذا ليس صحيحاً

أباك أهدى أمتك خير حكمائها وأميزفلاسفتها وأرق شعرائها وزينة عباقرتها

وجُئْتُكَ لتهدي أمتك مثيلكَ

أبو العلاء مذهولاً لا يتصور هذا الطيف ، واقعاً

إنه خيالا

إرجوكِ لا تقتربي مني لاتحاولي تغيير حياتي ، قانع وراضٍ وممتن

وهذا أيضاً ليس صحيحاً

تدعي القناعة لتزهو بها ولا تدع غيرك يشمت بك

وما أكثر الشامتين والحاسدين

الحاسدين؟

عجباً

هل هناك من يحسدني؟

سأرد عليك بشعرٍ لأبي فراس

قلت كما شاءت و شاء لها الهــوى قتيلـك قالـت أيهـم؟ فهـم كثــرُ

وقتيلكَ !

هو حاسدك

فلا تسألني فهم كثرُ

أذكري لي من أنتِ لأسمعك

أنا الهوى راسخاً في الجوى ،عصياً على النوى ،في أعماق روحٍ تهفورفدا،مستقراً في عقل ألمعي يشع نورا ، وخيال فلسفي يخترق الدهشة !

وهل أنا كل هذا؟

نعم ولكنك تداريه

تكتمه

ودليلي رسالة غفرانك التي تركتها لإجيال قادمة لكي ينهلوا منها (رسالة الغفران لإبي العلاء)

هيا لنقرأ معاً نزراً من روائعها

تعالي الى  حلقة الدرس لنقرئها

حلقة الدرس هي لمريديك وتلامذتك ولست منهم

هلا تخبريني من أنتِ؟

أنا أمنيتك التي تسترها عن عيونهم، وأملك الوقاد المشع غاشياً نظرهم، فكيف تريدني أن أظهر معهم؟

حسناً هل فهمتِ جوهرها؟

أحاول

وهل إخترتِ شيئاً منها؟

لنؤجل دراستهاونبدأ بمقولتك تلك المقولة الخالدة،لا إمام سوى العقل، كما جاء في اللزوميات (اللزوميات من 10960بيتاً خاض فيها أبو العلاء حرباً على الظلمات)

اللزوميات *

إلتزم أبا العلاء في ديوان اللزوميات أن تكون القافية على حرفين وأن تشمل أشعاره كل حروف الضاد وما يلحقها من الفتح والضم والسكون و كان بكل حرف بإستثناء (الألف) أربعة فصول فللباء المضمومة فصل وللمفتوحة فصل وللمكسورة فصل وللباء الساكنة فصل والخ

لاإمام سوى العقل

يرتجي الناسُ أن يقـومَ إمــامٌ ناطقٌ في الكتيبة الخرســاء

كذب الظنُّ لا إمام سوى العقل مشيرا في صبحه والمســاء

فإذا ما أطعـتــه جلب الرحمة عند المسير والإرســـاء

إنما هذه المذاهب أسبـــاب لجذب الدنيا إلى الرؤسـاء

ثم تضيف في اللزوميات

وأرحَلُ عنَها ،ما إمامي سوى عَقلي –سأتبَعُ من يَدعو إلى الخَيرِ ،جاهداً

 تتركني في تساؤل ؟ وأين الروح إذن؟

أرجو أن تتواضع و تأذن لي أن أضيف لمقولتك الخالدة  لاإمام سوى العقل  بمقولة لاإمام سوى الروح

لإنك في شكٍ من أمر الروح بعد الموت ،وتساؤلك، هل تحس الروح بعد الموت ؟كما كانت تحس في الحياة كما لاحس للجسم بعد الموت ،فهل تحس الروح إذا بانت عن الجسد؟

فسري أنتِ بماذا تعنين بالروح لأرد عليكِ

وهل تحتاج الى تفسير؟

 الروح تبقى ولا تموت ولاأشك ببقاء الروح  إنها ترفرف في فضاء الكون تشعر ، كما لو كانت الجسد حياً 

أنتِ كبنات جنسك تعتبرن الشك و التساؤل يقين!

ويخيل إلي إن روح حواء تصنع من المحال يقين

وهذا من بعض حكمة حكيم المعرة

ألم تركز على التساؤل والشك ليصل البشر الى قناعة معينة

لا توجد قناعة معينة ! يستمر التساؤل حتى ينضج العقل ويصل الى نوع من القرارولكنه وليس القرار

لا أوافقك العقل عندما يستقر على إلهام معين يكون الحقيقة

هذه تخيلاتك كبنات جنسك!

العقل لا دخل له بالإلهام ، الإلهام خيال والعقل بعيد عن الخيال

لنعلن هدنة حتى نقدر على النقاش

هدنة ! أراكِ من عصر حروب وإقتتال !

سأخبركَ

غزوة التتار 656هج الموافق 1258م

إنك محظوظ لإنك لم تشهدغزوة المغول لبغداد ، بغداد التي أحببتها ونظمت قصائداً فيها،هدمها المغول ودكوا حضارتها وقتلوا أبنائها وهدموا مكتباتها ورموا نفائس كتبها في دجلة وإذا لونه سواداً

غرين دجلة الفياض أصبح معتماً

سدت الكتب خضم مجراه وحرمته من لقاء الفرات

دجلة ،يعذبه الحنين الى الفرات، مشتاقاً لحظة اللقاء

أنت تعرف ماذا يعني لقاء دجلة بالفرات

حسبناه لقاء الخلود

لقاء الفطرة الربانية

وإذا هو شتات

أي عذاب أكبروألم يترجم

دار الحكمة التي نهلتَ من كتبها ومجلداتها عندما كنتَ في بغدادهدمت

زوايا الأدب وتكايا الشعر خربت

ألست القائل

أودعكم يا أهل بغداد والحشا – على زفرات ما يَنينَ من  اللذع

وكان إختياري أن أموت لديكم – حميداًفما ألفيت ذلك في الوسع

ألا زودوني شربة ولو أنني – قدرت إذا إفنيت دجلة بالجرع

شربنا ماء دجلةخير ماء وزرنا أشرف الشجر النخيلا

سقياً لدجلة والدنيا مفرقة-حتى يعود إجتماع النجم تشتيتا

لنا ببغداد من نهوى تحيته- يا إبن المحسن ما أنسيت  مكرمة

والله يحسن جزاء البغداديين فقد وصفوني بما لا أستحق عرضوا عليّ أموالهم ودعوني الى  بلادهم

أليس هذا الذي كتبته عن بغداد؟

أنتِ من بغداد ؟

نعم

أتألم كما ألمكِ

مهما تألمت فألمي أكبر وعذابي أعم

أنتِ من عصرهم ؟أراكِ عشتِ أيامهم

لالست من عصرهم ولكن من عصرٍ شبيه به

ألم أقل بأنك محظوظ لم تشهد كل هذا؟

 أبو العلاء يصمت والطيف يتوجع

ليس من العدل أن تعرفي عني ولا اعرف عنكِ!

لاأريد أن أكدرك فأختصر

أنتَ عشتَ في عصر إضمحلال الحكم والسياسة وتفوق العقل والمعرفة

أما أنا فأعيش في عصر ظلام العقل وعشوائية السياسة

وضحي أكثر

أوضح لثاقب البصيرة ؟ كيف ذلك؟

من هو ثاقب البصيرة؟

أبو العلاء

تعطيني أوصاف لا أستحقها

وكيف تثبت تميزك إذا شعرت بأنك تستحقها

سيدي هذه  سيماء العبقرية

أعذرني ألمي أكبر من إخفائه

سأبوحُ لكِ بسر لم أستطع عنكِ كتمانه

رفرف الفرح في قلب الطيف، أمعقول أن يخصني هذا العبقري بسرٍ، ما أسعدني

هل تعرفين شعر علي بن الجهم؟*

ومن لا يعرفه !

هذا الشعر العذري الرقيق بموجة رُدَ فيها على إباحية أبونؤاس

أليس كذلك؟

أبو العلاء ، مبتسماً ،

غمرتني حلاوة هذا الشعر

كم تمنيتُ أن أبصر، لأقف موقف علي بن الجهم ، لأمتع نظري وقلبي ، بعيون مهاكم الرائعة

أدميت قلبي سيدي

وله حكاية أتأذن لي بروايتها؟

قولي 

علي بن الجهم كما تعرف وفد من البادية الى بغداد فكيف مدح الخليفة؟

ابو العلاء يبتسم

كيف؟


يا أيها الخليفة(المتوكل)
أنت كالكلب في حفاظك للود – وكالتيس في قراع الخطوب
أنت كالدلو لا عدمتك دلواً – من كبار الدلاْ كثير الذََنوب( يقصد كثيرالماء إشارة الى الكرم)

إستنكرمن في المجلس ولكن الخليفةعرفَ بإن الشاعر يعكس أوصاف البيئة البدوية التي عاش فيها وجاء منها ! فأوصى بإستضافته الى حين!

ترى؟ ماذا فعلت بغداد بعلي بن الجهم؟

كيف عليل بغداد وبساتينها وهفهفة سعوف نخيلها تحتضن موج دجلة ويتدفق الخيرليروي قريحة الشعراء

ماذا عمل كل هذا في علي بن الجهم؟

تحضرت روحه ورَّقَ إحساسه وإذاشعره قد تخلص من بداوته وأنطلق بكل الحلاوة والبهاء


عيون المها بين الرصافة والجسر جلبنا الهوى من حيث ادري ولا ادري
أعدن لي الشوق القديم ولم أكن
 
سلوت ولكن زدن جمرا على جمرِ

 قوامها 56 بيت كل بيت اروع من البيت الذي قبله

معك كل الحق سيدي إذا تمنيت أن ترى عيون المها في بغداد

هذه بغداد التي ترصدها الشر وعميت عيون الغرباء وغلَّ الحسد عقولهم لكي يهدموا تاريخها

سأحكي لك 

ماذا كتب طه حسين عن بغداد حين دخولك إليها؟ 

رحلة أبو العلاء الى بغداد

398-400هج/1007-1009م

 

من هو طه حسين؟ طه حسين أشهر من نار على علم وسأحكي عنه بعد هينة

(كانت بغداد عند دخول أبو العلاء اليها كباريس اليوم فلاترى فى العالم الإسلامى شابا أتم الدرس فى بلده إلا وهو يتحرق شوقا إلى الرحلة إلى بغداد ودراسة العلم فيها من أصفى موارده وأعذب مناهله ، وكانت بغداد كذلك مقصد صيادي الثروات من المرتزقين بالشعر عند ابواب الخلفاء والامراء ولكن المعري كان عف النفس زاهدا لم يرتزق بشعره، ولقد رد شعرا على من غمزه بمظنة السؤال قائلا

 أنبئكم أني على العهد سالم … ووجهي لما يبتذل بسؤال  

وأني تيممت العراق لغير ما … تيممه غيلان عند بلال)*

*يقصد أبا العلاء بإنه حفظ ماء وجهه لم يبتذله بسؤال أو إستجداء وقصد العراق لغير السبب الذي حملَ  غيلان وهو الشاعرإين الرمة(77هج-696م )على التوجه الى قاضي الكوفة بلال بن أبي بردة  مادحاً ومتكسباً

 ولقد بالغ إبن الرمة في مدح قاضي الكوفة بلال بن أبي بردة

آملاً في عطاياه

لنعود الى عيون المها

أراك أنكرت الخيال ،وأراه قد غمركَ من حيث تدري ولا تدري عسى عصيراً من كرمة إبن هانئ أن تعينك عليها

هل تعرفين إبن هانئ؟

عجيبة !و كيف لا أعرفه

هل ذكرى حبيب  وإعجاز أحمد أهم من كرمة إبن هانئ(ذكرى حبيب وإعجازأحمد كتب من تأليف المعري عن حبيب وهوالشاعر أبو تمام وإعجاز أحمد هو المتنبي)

والخُمر شى‏ءٌ لو أنّها جُعِلَت مفتاح قفل البخيلِ لاِ نفتحا

–الخمر ياقوتة والكأس لؤلؤة ومن ينسى للخمر وصفاً

أراكِ تعرفين !؟

هل هذه إشارات الفيلسوف؟ أم إنها السخرية العلائية ؟

وهل الفيلسوف كما وصفتني يكتفي من المعرفة أو يزعم بأنه يعرف كل شئ؟

لم ترد عليَّ هلا لنا بعصارة كرمة العنب لينعش خيالك

او لم تقرئي أو تسمعي قولي؟

يقول الناس أن الخمر تؤذي  بما في الصدر من همِّ قديم

ولولا أنها باللب تؤذي لكنت أخا المدامة والنديم

أنقذتَ نفسكَ بهذا

ولكان مصيركََ في النار كما  أمرؤ القيس وعنترة بن شداد

كيف ذلك؟

كما تذكر في رسالة غفرانك بسبب بيتين من الشعر في وصف الخمر ،لذلك يصطليان بنارجهنم

 فيقول أمرؤ القيس

فَظَلِلْتُ في دِمَنِ الدّيَارِ كَأنّني          نَشْوَانُ   بَاكَرَهُ   صَبُوحُ مُدَامِ

أنفٍ  كلونِ  دم الغزال معتق          من خَمرِ عانَةَ أوْ كُرُومِ شَبَامِ

وكأن  شاربها  أصاب لسانهُ          مومٌ  يخالطُ   جسمه   بسقام

ويقول عنترة

كم  ليلة ٍ قد قطعنا فيكِ صالحةٍ          رغيدةٍ  صفوها ما شابهُ كدرُ

مع فتيةٍ تتعاطى الكاس مترعةً          منْ خَمرةٍ كلَهيبِ النَّار تَزْدهر

تُدِيرُها منْ بناتِ العُربِ جاريةٌ          رشيقةُ  القدِّ في أجفانها حور

هذه من رسالة غفرانك

أراكِ تحفظين الشعر فهل تقرضيه؟

وهل هناك في أرض الشعروالبيان لايحفظ الشعر أو يقرضه

يتحرك الطيف بخفة لايكاد أبي العلاء يلحظها

يهمس حفيف ثوبها بها

أين أنت؟ أراكِ صامتة؟

في رفوف مكتبتك أحاول أن أجد رسالة غفرانك

لماذا؟

أوتراني أعرف كل ما فيها لإتحاور مع مبدعها في مضمونها!

هل أظلم نفسي وأضعها مع العبقرية العلائية!

أتحاور مع من؟

مع من قيل عنه

المعري لا يُقرأ عليه كتاب إلاوحفظ جميع ما يقرأ عليه

حسناً

ولكن هل لي أن أسألكِ؟

أبا العلاء يسألني ،أرى الحظ يلازمني

ألا توجد صفحة مضيئة في عصركِ ؟

هل من المعقول أن تكون كلها حروب وإقتتال؟

بلى سترى ،كيف عرفتُ عبقريتك ؟ من مقولة عنك لمفكر عظيم أدخلتني الى عالمك

من هو ؟

كما أخبرتك

إنه طه حسين عميد الأدب العربي

وما هي هذه المقولة؟

لم ينظم العرب في جاهليتهم وإسلامهم ولا في بداوتهم وحضارتهم مبلغ قصيدة أبي 

العلاءمن الرثاءوالحكمة والفلسفة ،وأستشهد بهذه العبارة بما لا يحصى من الباحثين

غيرُ مجدٍ في ملّتي واعتقادي نوح باكٍ ولا ترنم شاد

 وشبيهٌ صوت النعيّ إذا قِيـ س بصوت البشير في كلّ ناد

 أبَكَت تلكم الحمامة أم غـ نّت على فِرْعِ غُصنٍها المياد

 صاحِ هذي قُبورُنا تملأ الرُحبَ فأين القبور من عهد عاد

خفّف الوَطْءَ ما أظنّ أَدِيْمَ الأرض إلا من هذه الأجساد

وقبيحٌ بنا وإِنْ قَدُم العهدُ هوانُ الآباء والأجداد

ويصل الى قمة الحكمة والفلسفة في قوله

فـاسْألِ الـفَرْقَدَينِ عَـمّنْ أحَسّا مِـنْ قَـبيلٍ وآنـسا مـن بلادِ

كَـمْ أقـامَا عـلى زَوالِ نَـهارٍ وَأنــارا لِـمُدْلِجٍ فـي سَـوَادِ

تَـعَبُ كُـلّها الـحَياةُ فَـما أعْجَـبُ إلاّ مِـنْ راغبٍ في ازْديادِ

إنّ حُـزْناً فـي ساعةِ المَوْتِ أضْعَافُ سُـرُورٍ فـي سـاعَةِ الـميلادِ

ويتجلى الإبداع في

والّـذي حـارَتِ الـبَرِيّةُ فِـيهِ حَـيَوَانٌ مُـسْتَحْدَثٌ مِـن جَمادِ

والـلّبيبُ الـلّبيبُ مَنْ لَيسَ يَغْترُّ بِـكُـوْنٍ مَـصـيرُهُ لـلفَساد

وبهذا إمتلك أبا العلاء بصير ة أحذق العباقرة وقال كلمته التي كَثَّفَتْ قروناً من الأبحاث العلمية الحديثة(حبيب عبد الرب سروري)

و يكثف أسرار قلبه وعقله وروحه ،وعصارة فلسفته  ، فكل بيت رواية كاملة ، وكل بيت فلسفة كاملة ، فصدق من قال أن أبا العلاء من أشهر فلاسفة الأرض على مر العصور


كتبها في رثاء الفقيه الحنفيّ أبي حمزة،

وهي في ديوان سقط الزند

عودي الى شبيهي؟

من هذا الذي قال عني؟

مثلكَ

رجل مستطيع بغيره!

تقصدين أعمى مثلي

لا ينطبق وصفكَ عليه ولا عليكَ

لستَ أعمى وعميد أدبنا العربي ليس أعمى

لكما وصفاً جميلاً يجمعكما

ماهو؟

نافذي البصيرة

وأصفكما

ثاقبي البصيرة

هبة من الرحمن لتتميزا وتخلدا 

أراكِ تغرقين في الخيال كما بنات جنسكِ!

أراك حمدت الله على فقد البصركما يحمده غيرك على نعمة النظر

 أحمد ربي على العمى كما يحمده  غيري على البصر إذ كفاني رؤية الثقلاء البغضاء)

قالوا العمى منظرُ قبيح –قلتُ بفقدانكم يهونُ

والله ما في الوجود شيئُ – تأسى على فقده العيون

هنا إستعارطه حسين قولك هذا والرعاع يهجمون على جامعة القاهرة ليقتلوه ويتهمونه

 بالكفر كما إتهموك ولم يكن أمامه إلآ القول واقفاً بكل الصلابة (الحمد لله الذي أعماني حتى لا أرى وجوهكم البغيضة)

وضحي أكثر

إنه الدكتور طه حسين* عميد الأدب العربي الذي دخل معترك الحياة الأدبية والإجتماعية والثقافية في مصر والوطن العربي برسالته للدكتوراه عنك(تجديد ذكرى أبي العلاء)ولم يكتفي بهذا وأردفه في كتاب آخر (أبي العلاء في سجنه)

إنني في عجب منكِ ! هل أنت من عصره ؟

تقريباً

وشاعرقبلك وقبل طه حسين قال مقولتك تعرفه وكتبت عنه في رسالة الغفران

سأله أحد الثقلاء

ما أعمى الله رجلاً إلا عوضه فبماذا عوضك؟

فردَّ بأن لا أرى أمثالك

من هو؟

الشاعر بشار بن برد*

وهو

* بشار بن برد بن يرجوخ، والملقب “أبو معاذ “، وُلدَ في البصرةِ ضريراً أواخر القرن الهجري الأول، لأبٍ وأمٍ مملوكين لبني عقيلٍ أهل الفصاحة والبلاغة، وعاصرَ الدولة الأموية والعباسية، وتوفي في القرن الهجري الثاني، حين بلغ التسعين من عمره عام 167 هــ، حين ضربه المهدي بالسوط لاتهامه آنذاك بالزندقة

تعرفه ،أشرت اليه في رسالة غفرانك

يخيل إليَّ إن مقولتك لا إمام سوى العقل قد قلبها هؤلاء الغوغاء الى( لا إمام سوى الهمجية)

أبو العلاء ساهماً

وهنا أتأذن لي بوقفة لإحكي بالحب، بالشوق، بالوفاء، بالإنتماء ، عن

 شاعر العراق الكبير محمد مهدي الجواهري

  • محمد مهدي الجواهري
  • ولد عام 1903 في مدينة النجف بالعراق ونشأ فيها ومن أسرة عريقة في العلم والأدب والشعر ونظم الشعر في سن مبكرة ويعرف بإنه متنبي زماننا

سيدي

لنحيي العباقرة الذي إجتمعوا في مهرجان أقامه طه حسين عام 1944تكريماً لذكراك وحضر الشاعر محمد مهدي الجواهري ممثلاً للعراق وكان ناشئاً لا يعرفه إلا القليل وجاء دورالجواهري صادحاً


قِفْ بالمعََّرةِ وامسَحْ خدِّها التَّرِبا- واستوحِ مَنْ طوّق الدُنيا بما وَهَبا(
التَّرِب: الذي يكسوه التراب)

وتنبه عميد الأدب العربي لهذا الدر بصوت فخيم ولكنه رخيم

وأكمل الجواهري
واستوحِ مَنْ طبّب الدُنيا بحكْمَتَّهِ- ومَنْ على جُرحها من رُوحه سَكَبا


وسائلِ الحُفْرةَ المرموقَ جانِبُها- هل تبتَغى مَطْمَعا أو ترتجى طلَبا

فكل نجم تمنى في قرارته – لو أنه بشعاع منكَ قد جُذبا


أبا العلاءِ وحتى اليوم ما بَرِحتْ- صََّناجةُُ الشعر تُهدى المترفَ الطَّربا


يَستنزلُ الفكرَ من عَليا مَنازِلهِ- رأسُ ليمسحَ من ذى نعمةًٍ ذنَبا


وزُمرةُ الأدبِ الكابى بزُمرتهَ- تفرّقتْ فى ضلالاتِ الهوى عُصَبا

على الحصيرِ وكوزُ الماء يَرفدهُ- وذِهنُه، ورفوفُ تحمِلُ الكتبا


أقامَ بالضَّجةِ الدُنيا وأقعدها – شيخُ أطلَّ عليها مُشفقاً حَدِبا


بَكى لأوجاعِ ماضيها وحاضرِها- وشامَ مُستقْبَلاً منها ومرتقَبا
وللكآبةِ ألوانُ وأفجعُها- أن تُبصرَ الفيلسوف الحُرِّ مكتئبِا


تناولَ الرثَّ من طبعٍ ومُصطَلحٍ- بالنقدِ لا يتأبّى أيَّةًً شجبا

وألهمَ الناسَ كي يَرضَوا مغبَّتهم- أن يُوسعوا العقلَ ميداناً ومضطَّربا


لِثورة الفكر تأريخُ يحدِّثنا- بأنّ ألفَ مسيح دونَّها صُلبا

وما أن سمعه طه حسين، وهو الجالس يستمع حتى قام طالبا إعادة البيت الأخير وتكراره لوقعه وإبداعه قائلا مضيفاً و

بأن ألف ألف مسيح دونها صُلب


فأعاده الجواهرى بصيغته الجديدة محاكيا كلام طه حسين وإضاف ألفاً أخرى على الألف الأولى قائلا

لثورة الفكر تاريخ يذكّرنا كم- ألف ألف مسيح دونها صلبا

وعندما أكمل الجواهري رائعته وقف طه حسين ومشي بإتجاهه إحتضنه ، محيياً قائلا

سمعت اليوم شعراً، وهذا بقية شعر العرب وديمومة الشعر العباسي

 رأيت سيدي كنت سبباً لكي يتعرف أفذاذ الأمة على شاعر العراق الكبير محمد مهدي الجواهري

ولإستجلاء بيانك الفريد لنرى ماذاعقَّب الجواهري واصفاً طه حسين المعجب الأكبر بك

يذكر الجواهري

نظرت إلى طه حسين وإلى كثرة أوجه الشبه مع المعرى فى البصر والذكاء والأدب والتميز والإبداع فقلت له أنت معرى زماننا

نعم طه حسين معري زماننا ولكن؟

هناك سؤال يفرض نفسه؟

هل تسمح لي؟

قولي

لماذا تزوج طه حسين؟ ونعم بحياته طولاً وعرضاً، وأبو العلاء حرم نفسه، من النداء الطبيعي للحياة زَهَدَ بالزواج والأبناء !وعف عن الطعام ،وأكتفى بالقليل القليل

تذكرين بإن طه حسين تزوج ونعمَ بحياته طولاً وعرضاً

وهنا أسألك

بمن إقترن طه حسين؟

عند دراسته في باريس إلتقى بزوجته سوزان أحبها وأحبته لازمته في حياته ووقفت بجانبه تسنده وترشده وإقترن بها طول العمر

لا داعي للرد أوضحتِ

كيف؟

ذكرتِ بأنه تزوج فرنسية وتعرف عليها في باريس

نعم

أتريدين الجواب أم إنه سيحرجك

ولماذا يحرجني ؟

لو إقترن طه حسين بعربية أو مسلمة هل كان سيصل الى هذا المجد الذي وصل إليه كما ذكرتِ عن حياته؟

ولم لا؟

لاتكابري

على أحسن الأحوال،  سيكون قارئاً ممتازاً للقرآن وإذا واتاه الحظ يُدَرْسْ في مدرسة للعميان

هذا جزء من عدائك للمرآه

أي إمرأة عربية تقبل أن تتزوج من أعمى إلا إذا فاتتها فرص الزواج وكذلك ستنعي حظها إن أبتليت بهذا الأعمى

طه حسين

فترة صمت ..

وماذا كتب عني غير هذا؟

سأخبرك

حكيم المعرة فقيراً ولكنه يملك المعري

إنه الجاه المعنوي الذي أتاح له أن يملك المعرة وكان يحكمها بنواب يدبرون أمرهاويرجعون إليه في جلائل الأمور أليس هذا إقطاعاً وإن المعرة صار أمرها الى أبي العلاء

كيف إستطعت أن تتيح الثروة للناس وتحرمها على نفسك؟

أبو العلاء بإستطاعته أن يكون من أغنى الناس تعفف عنها وكان يرى أن الإنسان لايملك في هذه الدنيا شيئاً إلا ما يقوم بحاجاته

إذن أقر على الناس ما في أيديهم وأبقى على فقري

يستمر الحديث بين أبو العلاء وطيف الأحلام

أراك تفخر بالفقر؟

كنتَ غليظ الثياب من القطن وفراشك اللبد في الشتاء وحصير البردى في الصيف وكنت شديداً على نفسك تكلفها ما لاتطيق فربما تغتسل بالماء البارد شتاءاً

ألست القائل

أجاهدُبالظهارة* حين أشتو –وذاكَ جهادُ مثلي والرَّباطُ

مضى كانونُ ما أستعملت فيه – حميم الماء فاقدُمْ يا شباط 

 * الظِّهَارَةُ من الثَّوب

كما تبرأتُ من الثروة كما أوضحت في اللزوميات

وسأدرج ما ذكره طه حسين عنك

قضى أبا العلاء حياته مُقلاً من المال مُكثراً من العلم والحكمة فلم يتكسب من الشعر ولم يكلف نفسه مذلة السؤال وإحتجابه في منزله الى أن مات إلا أثر من أثار هذه العزة التي أوجدتها الوراثة وقوتها الدراسة

وكان أبا العلاءيستاء من الجهل الذي يتفشى في المجتمع قائلاً في سقط الزند 

ولما رأيت الجهل في الناس فاشياً تجاهلت حتى ظُن أني جاهل

فواعجبا كم يدعي الفضل ناقص ووا أسفا كم يظهرالنقص فاضل

وقال السهى للشمس أنتِ ضئيلة وقال الدجى للصبح لونك حائل

وطاولت الأرض السماء سفاهة وفاخرت الشهب الحصى والجنادل

فيا موت زر إن الحياة ذميمة ويا نفس جدي إن دهرك هازل

 *طه حسين(15 نوفمبر 1889 – 28 أكتوبر 1973)، هو أحد أشهر الكتاب والمفكرين المصريين في القرن العشرين، ومن أبرز رموز حركة النهضة والحداثة المصرية في الشرق والوطن العربي

آلمني جداً قولك في الفصول والغايات

“لو أمنت التَّبعة لجاز أن أمسك عن الطعام والشراب حتى أخلص من ضَنك الحياة،ولكن أرهب غوائل السَّبيل

وهنا كما يستطرد طه حسين

ابو العلاء يا ئس من الخير لنفسه وللناس ‘مضطر الى الفلسفة والعزلة يأخذبذلك نفسه لإنه يقدر عليها ولا يأخذ على الناس لإنه لايقدر عليهم

هل لنا بهينة تجاوزنا فيها عن الصهباء لإدعوك لطعام الغداء؟

سأهيأ المائدة وأخبركَ

حسناً

تفضل سيدي

أشم رائحة الشواءوأنواع من اللحوم والدجاج فكيف إذن تعرفينني؟

هنا أثبتِ جهلكِ بي

كيف أجهل من قال عنه الجواهري كما لم يقل غيره


على الحصير وكوز الماء يرفده.. وذهنه، ورفوف تحمل الكتبا
أقام بالضجة الدنيا وأقعدها.. شيخ أطلّ عليها مشفقا حدبا
بكى لأوجاع ماضيها وحاضرها.. وشام مستقبلا منها ومرتقبا

أعرفكَ و أعرفكَ ،نباتياً زاهداً لا تتذوق اللحوم وأنواع الشواء ألست القائل عندما مرضت وقدموا لك حساء الدجاج

(إستضعفوك فوصفوك هلا وصفوا شبل الأسد)

إذن لما تضعي على المائدة ما تعرفين  لا أذوقه؟

تأملتَ معي أن تتذوقه ولا يعدم الإنسان من الأمل

بل قولي لاتعدم المرأة الأمل

هل تكره المرأة ؟

لايرد
ألست القائل
فليت حواء عقيما غدت
 
لا تلد الناس ولا تحبل

ثم قولك

أشْدُدْ يدَيْكَ بما أقـو – لُ فقَولُ بعضِ النّاسِ دُرُّ
لا تَدنُوَنّ مِنَ النّسـا – ءِ فإنّ غِبّ الأرْيِ مُرّ
والباءُ مثلُ البَاء، تَخـ – ـفِضُ للدّناءَةِ أوْ تَجُرّ
سَلِّ الفؤادَ عن الـحَيا – ةِ فإنّها شَــرٌّ وشُرّ
قدْ نلتَ منها ما كَفا – كَ فما ظفِرْتَ بما يَسُرّ
صَدَفَ الطّبيبُ عن الطّعا – مِ وقال: مأكلُهُ يَضُرّ

يصمت الحكيم والطيف ينتضر

إنكِ لم تسمعي أو تعرفي عن فساد الحياة في العصر الذي عشت فيه ونتيجته فساد المرأة الذي أخافني وأرعبني فكيف يتسنى لي وأنا الأعمى ملازمتها ومجاراتها في المجتمع الفاسد الذي كنانحياه

وهناك سبباً آخر

لا أريد أن أفرض نفسي على شريكة حياتي واكون عبئاًثقيلاً عليها

ولكن مثيلك تزوج وأنجب وفرح بحياته وعاشها بالطول والعرض وإذا عزينا سبب ذلك الى تغير الحياة من عصرك الى عصره

فقريب لعصرك وهو الشاعر بشار بن برد تزوج وعاش سعيدا

وهنا جاء تفسيري صحيحاً

كيف؟

تدعي كرهها لتحمي نفسك وفي قلبك تتحرق شوقاً اليها وهذا تفسيراً للمغالاة في انتقادها والإساءة اليها ولم تستطع إقناعي بأنه نتيجة فساد المرأة في عصرك ومن نافل القول أن نعمم الفساد على الأم والبنت والأخت والزوجة

محتجا

ذكرتِ وتجاهلتِ

وفي ظني إنكِ تجاهلتِ متعمدة

كيف؟

وما هو حكم العشيقة والجارية والسرائر  وما ملكت اليمين والإنحلال العائلي الذي ينتج عن هذا خبريني ما هو حال العائلة التي تتعدد فيها الأمهات فهذه تركية والأخرى فارسية ولا مانع حبشية وكل أم ترضع إينها كراهية الأخر وتوجه حبهم لإهلها والنتيجة الإقتتال والعداوةوفساد المجتمع

أيكفي ؟أم مزيد

أوافقكَ ،ولكن لايعدم المجتمع من المرأة التي تهب حياتها لبيتها وتربية أولادها وبناء مجتمعها وفي نفس الوقت تملك عقلها وترتقي بروحها واستقلالية كيانها

هذا لتقنعي نفسك وتتمسكي بخيال المرأة

لم تستطع أن توائم بين هذا وحبك لوالدتك؟ أ
لايرد

أراكَ إستطعت!

كيف؟

لماذا غادرت بغداد على عجل تاركاً أمهات الكتب ومجلدات الفلسفة والترجمة التي إنغمرت بها في دار الحكمة وبقية المعاهد والمدارس ودور العلم والمعرفة؟

وألح عليك أهل بغداد لتبقى

لماذا تركت بغداد؟

أراكِ تعرفين ؟

تركت كل هذا لخبر جائك من المعرة بأن والدتك مريضة فشددت الرحال على عجل لتلحق بوداعها ،أليس كذلك؟

كذلك

أليست والدتك من جنس المرأة ؟

سأنهي الحوار معكِ ، كيف تجروئين أن تشبهي والدتي بغيرها؟

ولماذا لاأجرؤ على ذكرها؟

وهناك بما لايعد مثلها؟

تعمم على  من كرهت! وكتبت فيها شعراً ،كَّبْلتها قيوداً مؤلمة وهي البريئة

أراكِ نسيتِ ما ذكرتِ؟

ما هو ؟

ألم تقولي بإنك تعيشين في عصر إضمحلال العقل وعشوائية السياسة؟

هذا صحيح ولكني إبنة الحضارة التي أسبغت عليَّ دَفقاً نهلته من مدارسها وكتبها فإذا تعثرت ولها كبوة ولكن لها قيام

لم تقدر العشوائية أن تحجب عقلي وتُعتمْ روحي

لست جارية كما في عصركَ

أنا حرة سيدي سليلة والدتك ولست سليلة العبودية

أنا إبنة دجلة وروح الفرات

دفق دجلة يسري في عروقي وحلاوة الفرات شهداً صافياً يدفئ ضلوعي

قدمي مغروسة، في طمى الخير، وقلبي يخفق ،مع عطر السماء

أهيمُ في غرين دجلة، وأرتوي قطرة عطشى، من رحيق الفرات

وجبل شامخ تحتضنه ورود ويتدثر بدفئ الريحان

يحلق طير المجرة يهفهف في حمى الغراف

وضفاف  الكحلاء أرويها بدموع الحنين وحرقة الفراق

ومشحوف يتهادى برقة ويلتقي بقارب الآمال

وكوخ قصب الذهب ،يرقب شغف الأهوار

ويسري الدفق يعبر سهول السنابل ويضئ الوديان

وينشر الحَبْ ليزهو حنطةً وشلباً ، ودبساً  يغمر قيمر الأحلام

وأين يكون اللقاء؟

في قرنة خلود اللقاء*

*القرنة إسم المصب الذي  يلتقي فيها نهري دجلة والفرات ويمتزجان في مجرى واحد هوشط العرب

في يدي كتاب وبين أناملي يبرق القلم يخط متون حريتي وكرامتي وعزة وطني

إنها كبوة سينهض وطني عزيزاً كريماً وستكون فيه المرأة حرة لاتخجل من إنوثتها ولا تختبئ وراء نقاب، ولا يستغلها أفَّاق ،وبدونها لايُعمر البنيان

أنا حرة سيدي

مع كل الإجلال لمقامك والإحترام لعقلك وسمو عبقريتك لاأقبل أن تهددني

وأرائك في المرأة غير صحيحة ،واتمسك بحنوك وحبك وإحترامك لوالدتك وأقر بإنها ليست فريدة ونتمنى أن نقتدي برأيك فيها

أبو العلاء صامتاً وممتعضاً

لماذا ممتعضاً ؟

لماذا تقدس والدتك وتهين جنسها؟

أتذكر نعيك لها متى كان اللقاء ؟

سأتلوه عليك وللذكرى فإنه من سقط الزند

متى كان اللقاء؟

سمعت نعيها صماً صمام

وإن قال العوائل لاهمام

وأَمَتْني الى الأجداث أم

يعز علي إن سارت أمامي

فمضت وقد إكْتَهَلتُ فخلت أني

رضيع ما بلغت مدى الفطام

سألت متى اللقاء؟ فقيل حتى

يقوم الهاملون من الرجام

فيا ركب المنون أما رسول

يبلغ روحها أرج السلام

مر الوقت ثقيلاً ،وأبو العلاء صامتاً ،والطيف حائراً ،هل فتحت الذكرى جرحاً؟

وعاصفة ثلجية غمرت المعرة وأثقلت روح أبو العلاء وزادته تشاؤماً فوق ما يحمل!

شعر الطيف بعذابه

وللكآبة ألوان وأفجعها.. أن تبصر الفيلسوف الحر مكتئبا(الجواهري)

كيف سترجعه الى بوح الكلام؟

بالدفء

كيف يسري دفء الروح ليذيب الدم في العروق؟

ستشعل الموقد وترى

هل يقدرجمر النار أن يبدد الصمت ويدفيء الروح ؟

يتناهى الى سمع أبي العلاء، طقطقة الخشب ،وهسيس النار تشتعل، وتسري هينة في ضلوعه، وتضوي حرارة في قلبه

صمت مطبق

والطيف يُذكي جمرة النار ،يأمل أجيجها  ، تنجلي الكآبة ليستمر الحوار،ولتصفو الروح، لعذوبة الطمأنينة ولدثار القلب يسلو أو يسهو لوهلة ينشد الأمان

هل تبادره بالكلام أم تنتضر؟

يا إلهي ما هذا؟

أبا العلاء يبكي !حكيم العرب  يبكي ! فيلسوف الضاد يبكي ،عبقري الأمة يبكي ،لمعت قطرات الدمع ، تضئ اللحية الكثة ،وهجاً كطيف شمس الخريف ،يبث مسكاً منثورا، هطل الدمع مدراراً ، فقد البصر وشعَّ نور الإحساس

فقد البصرولم يفقد البصيرة

دموعك سيدي تحزنني ،تشتت روحي ،ولكنها تظهر لي أمراً

ماهو يا فصيحة؟

الحمد لله أثارت تساؤله!

بأنك تظهر بالعلن غير الذي تشعر به

كوني صريحة ولا تتبعي بنات جنسك في اللف والدوران

كيف ؟

تعرفين كيف؟ تقصدين التقية ،أليس كذلك ؟

لستُ التي تقصد ، لاأتجاوز ، إنه المعجب الأكبر بك والذي أستقيت تفاصيل معرفتي من علمه وسمو عقله

هل هناك المزيد

لا أريد أن أتعبك هل نستمر في عتق السحر؟ أم نترقب ندى الفجر لنُكْمل؟

وما هو الفرق عندي ؟

إنه ظلام في ظلام

هناك فرق

ما هو؟

قلت ندى الفجر، ولم أقل نور الفجر!

قطرة الندى عطراً من السماء، يغمرغبش الفلق ،ويزهو في ورق الورد ، ويمتزج ليشفي الروح

ولا يحتاج الى نظر، إنه إبصار الروح ،وشفيف النظر

حكيم المعرّة صامتاً ومفكراً ،جال الطيف  نظره، في أنحاء الغرفة، يا للرجل إنه يعيش على الكفاف، حصيرة وكوز ماء وكتب مكدسة في كل ركن ومكان

الطيف يتأمل أبا العلاء

رقيق الجسد ، منير العقل ،يشع بهاءاً

ناجى الوْرِقَ وكَلم الجن وجمع الأضدادا

وطاولَ السها في كبد السماء فرقدا

حُرِمَ البصر وجالَ في البصيرة (آمادا) كلمة من المعري

خلده العقل  على مر الزمن وتتابع الحِقَب إثراءاً( وآبادا)كلمة من المعري

وأعيد مقولته

لاإمام سوى العقل ،أتمعن بها ،أحاول أن أحللها ،أستوعبها لأتمثل بها

 إذا  رجع الحكيم إلى حجاه … تهاون بالمذاهب وازدراها 

 فهل أقدر؟

أكيد سأحاول !

إقترب الطيف من الشباك وهديل الوُرْق ناعماً

مغلف بالشجن يرتل بعذاب مختبئاً من العاصفة وإذا قطرات الغيث تبلل ريشه الناعم

من فيضه، أفاض أبو العلاء شعراً ، ذهب مثلاً وعبرة خلدت فياسوف المعرة بل فيلسوف العرب بدون منازع

أبَكَتْ تِلْكُمُ الحَمَامةُ أمْ غنَّت عَلى فَرْعِ غُصْنِها المَيّادِ؟

خلدتَ يا سيدي الهديل، غناءاَ وبكاءاً ،شجناً وفرحاً ،وأرتعشَ الغْصنُ ،من موجه يَميدُ ، رِهافا

وفكر الخلقُ، في مَتنه ولهاً، وللحكمة مأرباً

خلدته حروف الضاد ونقش في الصدور مرجعاً

وسرى في شغاف القلوب لحنأ وللعقل إلهاما

إقترب الطيف  أكثر  ،ليرى ماذا حلَّ في الكون، يا للجمال، رأى زهوراً تتمايل ويكاد نداها يغبش العتمة ليطل الفلق مترفقاً، ليبددْ حلكةَ ليل ، لفَّ بيتاً ، أنار شمعاً ، يضئ المعرَّة كُلها ويشع نوره ليغمر وطنه كله

وأسرع الطيف ، قطف أصيصاً ،من الزهور، عسى عبيرها، يلطف من وحشة الظلمة

أصيصاً من الزهور وبصيصاً من الجمر

أوقد الطيف شمعةًًشع بخورها عبيراً

وهدلَ الحمام مبشراً

إنها روح الحياة ،التي خص بها العلي القدير النفس الإنسانية لتقدر أن تتعايش مع حلكة القدر

تكاد الجمرة بصيصاً و تنطفأ

والزهرة أصيصاً يبتهج

والشمعة ذبالة تذوي

وسَهدَ الوُرْقْ

 منتضراً

أبو العلاء صامتاً ومفكراً

أنعشه عبير الزهرة

وزكى  الجمرة

وشذى الشمعة

لنكمل

ماذا كتب صاحبك عني؟

التقية

كما جاء في اللزوميات

ويخبرنا إن في نفسه سراً لن يظهره خوف الأذية

لاتخبرّنَ بكنه دينك معشراً شُطرً فإن تفعل فأنت مغرر

وأصمت فإن الصمت يكفي أهله والنطق يظهر كامناً ويُقرر

فأكتم حديثك لايشعر به أحد من رهط جبريل أو من رهط إبليس

أبو العلاء يستمع ساخراً

هل هذه في نظركم تسمى تقية؟

لا أتجاوز لستُ مَن وصفها

وكما ذكرتَ

وأصمت فإن الصمت يكفي أهله والنطق يظهر كامناً ويُقرر

هل أتعبتك سيدي؟

حسناً

تقولين بإنكِ إطلعتَ على رسالة الغفران كما  عميدكم

هل من قرأ وأستوعب رسالة الغفران يتمسك بسطور ذُكرت سبب ما!

ويعد تحليله صحيحاً؟

وهل يوصف بالتقية  من قال

أسلم النصراني مرتعباً              وليس ذلك من حب لأسلامي

وأنما رام عزاً في معيشته          أو خاف ضربة ماضي الحد قلام

ومن قال


في اللاذقية ضجةٌ ما بين أحمد والمسيح 
هذا بناقوس يدق وذا بمئـذنة يصيح 
كل يعظّم ديـنه ياليت شعري ما الصحيح ؟

أتى عيسى فأبطل دين موسى وجاء محمد بصلاة خمس

وقيل يجئ دين بعد هذا فأودى الناس بين غد وأمس

إذا قال للمحال رفعت صوتي وإن قلت لليقين أطلت همسي

ولم يفرق بين الناس وإن إختلفت أديانهم وليس يهمه أن يكون الرجل مسلماً أومجوسياً ما دام يفعل الخير(طه حسين تجديد ذكرى أبي العلاء)

والخير أفضل ما أعتقدتَ فلا تكن – هَمَلاً وصلِّ بِقِبْلَةٍ أو زمْزمِ(الزمزمة هَيمنةالمجوس على الطعام)

إثنان أهل الأرض ذوعقل بلا   –   دين وآخر دَيِّنُ لا عقل له(ديوان اللزوميات)

ويهاجم التدين الكاذب


لا تَكذِبَنَّ فَإِن فَعَلتَ فَلا تَقُل-  كَذِباً عَلى رَبِّ السَماءِ تَكَسُّبا
فَاللَهُ فَردٌ قادِرٌ مِن قَبلِ أَن- .تُدعى لِآدَمَ صورَةٌ أَو تُحسَبا

وخطباء الجوامع وهم أساس تخلفنا ويستغلوا المنابر لينشروا خرافاتهم يرتزقوا ويسمموا عقول الناس


وخَطيباً لو قامَ بَينَ وُحُوشٍ عَلّمَ الضّارِياتِ بِرَّ النِّقَادِ

و له
عَلِمَ الإِمامُ وَلا أَقولُ بِظَنِّهِ –  إنَّ الدُعاةَ بِسَعيِها تَتَكَسَّبُ

وماذا أضيف ، ولو أضفت لاأقدر أن أوفي  المبدع الأكبر حقه

أعيدي قراءة رسالة الغفران بتمعن ونرجع لكي نتحاور

آه يا أبا العلاء  آه يا حكيم المعرَّة ،كم مبصراً لا يرى! ويضن إنه يرى!  وكم بصيراً ضنَّ بأنه لايرى وأسبغه الرحمن بصراً يرى ، وإذا هو يرى! كما لم يرى غيره كيف يرى؟ ،فتميز وأبدعا ،تفوق وأرتقى متوهجاً الى قمة العقل الإنساني ،ليمنحنا الدهشة تستقر في نفوسنا لتتفتح عقولنا!

آه يا فيلسوف العرب وعبقري ماضيهم وحاضرهم ،  أًصبوا من قلبي لتنال بساطة حروفي رضاك

يطوي الطيف أوراقه ويلملم شتى روحه ويتشبث برسالة الغفران ينهل منها فأمامه إمتحان عسيرلعله  يفوزبرضى أبا العلاء

وللكآبة ألوان وأفجعها.. أن تبصر الفيلسوف الحر مكتئبا

لله درك يا بن بلدي كأنك معي تنجدني و روعة شعرك هادياً لي

*********************************************************

 

 

ليبانون توداي 2/4/2017

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظة © جريدة لبنانون توداي 2017