عاجل

أصداء وآراء في “التربية الحزبية الإسلامية ,, بقلم الكاتبة د . ايمان شمس الدين (٢)

مفاهيم ودلالات: ان التعريف المفهومي لبعض المصطلحات يفترض ان يكون مبنيا على دراسة الواقع، فدراسة الظاهرة الحزبية وتعريف الاحزاب عليه ان يخرج من رحم المجتمع الذي تتم دراسته سواء مجتمع يعيش في جغرافيا واحدة او مجتمع يعيش في جغرافيات متعددة لكن تحكمه أيديولوجية واحدة.
فمثلا تعريف الحزب من وجهة نظر غربية لا يمكن ان يشكل متكأ معرفيا ومفهوميا للباحث العربي والمسلم
لان الأنظمة التي تحكم منطقته هي أنظمة اما سلطوية كاملة أو شبه سلطوية
وبنية العقل العربي تم تشييدها على العصبيات والولاءات إما للسلطة أو للقبيلة وبشكل أعم تم تشييدها على العصبيات بكافة أشكالها.
بالتالي اعتقد نحتاج حفر أركيولوجي عميق في تلك البنية لتفكيكها وهو ما يتطلب الخروج بتشكيلات تناسب هذه المعطيات وتكون قادرة مرحليا على المعالجة البنيوية لمفهوم الجماعة والقيم والمعايير التي تحكمها وتنظمها وتذويب العصبيات وتشييد منظومة معيارية تؤهل القابلية كي تنخرط في أحزاب تشكل أذرعة مدنية في الدولة قادرة على النهوض بالوعي الثقافي والتربوي والسياسي للجمهور وتكون رافعة للبناء والتغيير ومنصة للرقابة والمحاسبة للسلطة في صالح الجمهور.
الأمة والحزب:
وفي فهمي القاصر يمكن لفكرة التوحيد القرآنية إن توسعت ان تعمق مفهوم التعددية المذهبية تحت شعار ومحور التوحيد ( الله ) ، ومحورية الله قد تخرجنا في مجتمع تعددي من المظلة الايديولوجية المذهبية الضيقة الى المظلة التوحيدية التي تتناسب وعالمية الرسالة المحمدية.
بل إن هذه الفكرة تعزز مفهوم الأمة ضمن إطار ومحور التوحيد وتقسم الساحة لفسطاطين فسطاط المحورية فيه لله وفسطاط المحورية فيه لغير الله وهما كما وصفهم القرآن
نفسه محورية فرعونية مقاصدها الهيمنة والاستيلاء على البشر والحجر والمقدرات .
كونها كفكرة يمكنها أن تتحول إلى مشروع عمل بنيوي تأسيسي يراكم تجربة الأمة في مضمار العمل الوحدوي.
خاصة عند الحديث عن دور الأحزاب الإسلامية في تربية المجتمع ، كون البعد الأيديولوجي يحضر بقوة ويشكل رافعة الدفع نحو الالتزام والعمل ، فكيف يمكن أن يلعب الحزب الإسلامي دورا تربويا لمحازبيه في عملية الاندماج في المجتمع التعددي دون أن يقع في محظور تناقض الخطاب بين الداخل حزبي وخارجه ؟
وفي الأحزاب الإسلامية أي إسلام هنا نقصد ؟ وأي قراءة نعني ؟ وهل المنهج التربوي الأنجع في الاندماج في المجتمع التعددي ينبني على التربية الأخلاقية والقيمية كمعيار قادر على تحقيق الاندماج وجامع كونه من الثوابت الإنسانية التي لا يختلف عليها ؟ أو التربية تعتمد على المنهج العقدي عقليا والفقهي سلوكيا وما لهذين من اثر في تعميق الاختلاف لاختلاف المدارس الاسلامية واختلاف القراءات داخل كل مدرسة للنص الذي تنطلق منه في التربية والتعليم ، وعلى اثر هذا الاختلاف تعددت الأحزاب الإسلامية في الوطن العربي والاسلامي .
هناك تأسيس قرآني لمفهوم الأمة ، فكيف نعالج ضمن تعدد القراءات للنص وبالتالي تعدد المدارس ضمن كل مذهب كيف نعالج جدلية الحزب والأمة ؟ فيفترض حتى لا يقع التعارض ان تكون العلاقة طولية فالحزب في طول الأمة ؟ فإذا قلنا تعدد أحزاب في مجتمع واحد ، فهذا يعني تعدد مناهج تربوية ، وبالتالي تعدد مجتمعات وجماعات في المجتمع الواحد وهذا لا يشكل في نهاياته الأمة.
فأي منهج تربوي أنجع ؟ ومن وجهة نظري أجد أن الاسس التربوية القائمة على معيارية القيم والأخلاق كنظام عام يحكم المحازبين في المجتمع أجدى في الانسجام والاندماج في مجتمعات تعددية ، إلا في حال كانت ضابطة المنهج العقدي والفقهي تميز بين خطاب الداخل والخارج اذ لكل جهة خطابها وحيثياتها التربوية إسلاميا .
أيهما يقدم في تحديد مرجعية المناهج التربوية الأمة أو الحزب ؟
الأحزاب والنظم :
ومع التجربة العملانية هناك كثير من الأحزاب الإسلامية وقعت في هذا المحظور نزولا عند رغبة قواعدها التي تحت ضغط العصبيات المذهبية رفعت شعارات التكفير للآخر الشريك في المجتمع جغرافيا وخارج جغرافيا.
وهذا يحتاج تنزيلا للثقافة من النخبة في الحزب الاسلامي لقاعدته اذ احد اهم اهدافه هو التربية الموجهة نحو الهدف الالهي لتصبح الثقافة الاسلامية ثقافة الجمهور وليس فقط النخب .
وهنا تنتج لدينا أيضا جدلية العلاقة داخل الحزب بين النخبة والقاعدة وانعكاس هذه الجدليات في ظل سلطة القاعدة على الاستقرار الاجتماعي من جهة وعلى الخيارات الحزبية الإسلامية في التأسيس للمناهج التربوية داخليا بين خيار النخب وخيار القواعد حيث تصبح هنا الحقيقة ضحية القاعدة عندما تتخلى نخبة الحزب الإسلامي عن دورها الوظيفي في التأثير الثوري التربوي في مسلمات القاعدة خاصة تلك التي تعمق التقسيم الاجتماعي لا الاندماج.
ان الحاجة الفطرية للنظم تخلق الدافع عند الانسان للانتماء للجماعة ، يتطور مفهوم الانتماء مع التراكم المعرفي والعملاني للجماعات لذلك بدأت من القبيلة وتطورت مع الزمن إلى الدولة الحديثة والانتماء للوطن ومحدداته الجغرافية والقانونية الناظمة اجتماعيا .
لذلك تعتبر الجاهلية وصف لسلوك عنصري كان يقوم على التوحش بالقتل و الاغارات والسبي وهو ما وضحه جعفر بن أبي طالب لملك الحبشة حينما فر مع مجموعة بأمر من النبي اليها.
اما طريقة النظم التي كانت على شكل قبيلة فهي كانت وسيلة في ذلك الزمن لحفظ مصالح الفرد ، وما رفضه النبي في المدينة وأوضحته الصحيفة المدنية أو ما عرف بدستور المدينة هو القبائلية اي التعصب القبلي ، أما القبيلة فقد تم دمجها في الدولة واشراكها في النظم الاجتماعي والدولة.فالرفض كان للعصبيات وليس لأصل التجمعات.
ومثالا لذلك هناك بعض أشكال النظم الموجودة في دول كأفغانستان للقبيلة حيث تم تنظيم القبائل في مجلس يسمى الليوجيرغا والذي يشارك بآرائه في مجلس البرلمان.

وهي وسيلة نظم تناسب والوضع القبلي لكنها محاولة سياسية اجتماعية للخروج من الانقسامات القبلية إلى مجلس ينظمها ويضمها في الدولة .
وفي المجتمعات الخليجية ودور الاحزاب الاسلامية تربويا فيها ، خاصة أن التركيب البنيوي لهذه المجتمعات قائم على العصبيات القبلية والمذهبية وتتداخل مع بعضها وفق المصلحة السياسية ، ونجد أن الجو العام في هذه المجتمعات جو تحكمه التحالفات العصبية وتجربة العراق توضح كيف لعبت الأحزاب دورا في انقسام المجتمع وعدم قدرتها إلى الآن إلى تجاوز الهوية الحزبية إلى هوية وطنية .
خاصة أن النظام التربوي السائد في تلك المجتمعات نظام أبوي تلقيني متأثر إلى حد كبير بمناهج متعصبة مذهبيا قولبتها في نظام أحزاب مؤسساتية في ظل وجود ثقافة التقديس والترميز بشكل عميق في هذه المجتمعات، وغياب منهج النقد البناء الذي حيد بحجج دينية واجتماعية، وهذا قد يحول تلك الأحزاب إلى أحزاب وراثية تعمق فكرة الانقسام الاجتماعي من خلال مناهج تربوية إيديولوجية متشددة .
فالقبيلة على سبيل المثال كي تشرعن منهجها تلبست في الخليج بلباس الدين ، حيث كانت الركيزة البنيوية تربويا التي انطلقت في وسط القبائل مستلهمة من منهج محمد بن عبد الوهاب حيث تخرجت دفعات من أبناء القبائل من جامعات سعودية دينية وانتشرت للتبليغ والتعليم على هذا المذهب .
فتراكمت العصبيات و شرعنت ، بل هناك ممانعات سلطوية تحول دون المس بالنظام القبلي اجتماعيا وهو ما يكرس العصبيات التي واقعا تعمق الانقسام الاجتماعي ويتمظهر ذلك خاصة في الانتخابات على سبيل المثال في الكويت ، حيث يعلو صوت القبيلة على صوت أي خيار منفرد داخلها .
فهل نحتاج هنا نظرية تتناسب وطبيعة كل مجتمع وبيئته ، من خلال تحويل العشائر والقبائل لمؤسسات تلعب دورا في النظم والتوجيه التربوي لاستقرار المجتمع ؟
وكيف يمكننا الانتقال إلى مرحلة الأحزاب في هذه المنطقة وهي ما زالت في أغلبها محكومة بأنظمة سلطوية لا تؤمن بالأحزاب والتعدد ؟
خاصة أن أصل وجود أحزاب في هذه المنطقة ووفق تراثها الثقافي هو تكريس تقسيم المقسم مما يجعل فكرة الأحزاب في هذه المجتمعات فكرة مرفوضة لأسباب أهمها
سلطوية أغلب الأنظمة ، وقبائلية المجتمعات وخاصة التيارات الإسلامية وبداوتها في فهم الإسلام .

يتبع ,,
د. ايمان شمس الدين

أضف تعليق

اترك رد

جميع الحقوق محفوظة © جريدة لبنانون توداي 2017
%d مدونون معجبون بهذه: