لم يشأ وزير الخارجية جبران باسيل، أن تمرّ ذكرى الاستقلال اللبناني، من دون صخب. قبل أيام، وبلا مقدّمات، أمام لوحة جلاء جيش الاحتلال الفرنسي عن لبنان على صخور نهر الكلب، فجّر باسيل موقفاً/ ضجيجاً، داعياً نوّاب كسروان إلى التقدّم بطلب لوضع لوحة تؤرّخ «جلاء الجيش السوري» عن لبنان (نيسان 2005)… في 2018!

وحتى اللحظة، لم يجد أكثر من طرف سياسي معني بتصريحات وزير خارجية لبنان تواصلت معهم «الأخبار»، لا في سوريا ولا في لبنان، الخلفية الحقيقية للتصريح وتوقيته. لكنّ الأكيد، أن التصريح وخطوة إعلان وضع لوحة «جلاء» جديدة، كان لهما وقع وتأثير، إن لم يكن على القيادة السورية وقيادة حلفائها في لبنان، فعلى بيئة الدولة السورية وجمهور فريق المقاومة عامةً، الذي دائماً ما وقع بالحيرة خلال السنوات الماضية، بين مواقف الرئيس ميشال عون، وخطاب نوّاب التيار الوطني الحرّ وإعلامه.
فهل هي زلّة «باسيلية» جديدة مثل زلّة غياب العداء الإيديولوجي مع «إسرائيل» والخطابات العنصرية بحقّ النازحين السوريين والفلسطينيين؟ أم حماسة زائدة غير محسوبة، في إطار التنافس على «العصبية المسيحية» مع حزب القوات اللبنانية؟ أم أن كلام الوزير، محطّة في مسار سياسي يبدأ بنفي تهمة الالتصاق بسوريا وحزب الله خوفاً من عقوبات أميركية محتملة تستهدفه شخصياً؟
أجوبة بعض شخصيات التيار الوطني الحر عن فحوى كلام باسيل وخطوة اللوحة، لا تخرج عن إطار التبرير التقليدي. يرفض أكثر من مصدر في التيار تحميل موقف رئيسهم الأخير معاني وأبعاداً، ويضعون الكلام في إطار السرد التاريخي. أحدهم يذكّر بخطوة عون بالمصالحة مع سوريا وردّ الرئيس السوري بشار الأسد عليه بأن عون «يقاتل بشرف ويصالح بشرف»، لكنّ الأسئلة العميقة عن التوقيت وخطوة وضع اللوحة بحدّ ذاتها، تبدو محرجة، ومن دون أجوبة.

أخطاء الشكل والمضمون
شكلاً، وقع باسيل في خطابه بمغالطات تاريخية ووطنية. فكيف مَن ينشد المشرقية أن يعتبر الحقبة الآشورية والملك نبوخذ نصّر احتلالاً لـ«لبنان»؟ فعون يعرّف عن نفسه بأنه زعيم المسيحيين في الشرق، فيما يعتبر باسيل الآشورية احتلالاً! ومع أن لهذا نقاشاً آخر، لكن من المفيد أن يعرف باسيل أن الآشورية، ومن بعدها السريانية المنتشرة في لبنان وفلسطين وسوريا والعراق والأردن، هي أول إمبراطورية مشرقية، وأن الآشوريين والسريان، هم الوعاء الذي احتضن المسيحية واعتنقها، ولا يزال أبناؤها يُذبحون لأجلها حتى اليوم.
وفي الشكل أيضاً، وبما أن التيار الوطني الحرّ يصنّف نفسه تيّاراً سياديّاً، فكيف لرئيسه أن يعلن عن لوحة جلاء للجيش السوري، وهو لم يعلن عن لوحة لاندحار جيش الاحتلال الإسرائيلي عن لبنان حتى الآن؟ هل تمّم باسيل واجباته وسمّى شوارع لبنانية باسم بلال فحص وسناء محيدلي ولولا عبود وحسان اللقيس وشهداء مجزرة قانا والمنصوري، وغيرهم كثيرون، حتى بات لديه متّسع من الترف لتعليق لوحة عن خروج الجيش السوري؟ وزير الخارجية فعل نقيض ذلك، ربّما من دون أن يدري، حين قال «الإسرائيليين» ثمّ «السوريين»، مساوياً بين جيش احتلالي استيطاني وجيش شقيق دخل إلى لبنان لوقف الحرب الأهلية بطلب من قيادات لبنانية، وقع في أخطاء كأي جيش في العالم، لكن قدم آلاف الشهداء في الدفاع عن كلّ بقعة من لبنان.
تتضاعف الحيرة حيال التوقيت. لماذا الآن، بعد 13 عاماً على خروج الجيش السوري؟ عون، الذي وقف إلى جانب سوريا بعد المصالحة منذ خروجها من لبنان، ووضعت ثقلها لدعمه في الداخل اللبناني وفي أكثر من استحقاق، وفي دعم وصوله إلى رئاسة الجمهورية، واستمر بالتحالف معها في عزّ محنتها طوال 7 سنوات، من غير المنطقي أن ينقلب عليها اليوم، في عزّ استعادة قوتها وحلفائها، من طهران إلى موسكو وبيروت. بل على العكس، هو متمسّك بهذا التحالف، ويعبّر عن مواقفه بالسرّ والعلن، فهل تغيب عن ذهن باسيل مئات التقارير الدبلوماسية التي تصله من العالم عن النصر السوري؟
إذا كان التنافس مع القوات، يدفعه إلى إعادة التذكير بالماضي، فهنا أيضاً، وقع الوزير في خطأ فاقع. واهم من يعتقد في التيار الوطني الحرّ، أن باستطاعته مجاراة حزب القوات في خطابه المسيحي الضيق والتخويف من «الآخر»، أي آخر، وهو الذي قام على هذه العصبية، في مقابل خطاب انفتاحي معتدل قام عليه تيار الرئيس عون، حتى في عزّ الحرب. فتجربة بشير الجميّل سقطت بالنظرية والتطبيق والظروف، والخطاب المسيحي المتطرف هُزم أيضاً في لبنان ودفع المسيحيون ثمن هذه الهزيمة، كما هُزم الخطاب الإسلامي المتطرف في سوريا والمشرق، مع كل الدعم الذي تلقّاه من إسرائيل والغرب والعرب. ما هو الداعي إلى استنباط «آخر» بين حين وحين؟ فالمطلوب اليوم، وسط بحر الدماء، ميشال عون لا بشير الجميل، وأن يكون المسيحيون محفّزاً ونموذجاً لدى البيئات الأخرى للانفتاح، لا سبباً لإثارة العصبيات على أنواعها، في الوقت الذي يدفع فيه الغرب وإسرائيل نحو المزيد من التقوقع والتعصّب في الشرق والعالم العربي.
وإن كان همّ التذكير بـ«قضية» للتيار هو ما دفع باسيل إلى هذا النوع من التصريح، فهذا يفتح باباً سجاليّاً. إذ لا نجد أحداً من القوى اللبنانية التي شاركت في المعارك ضد عون، من يقيم احتفالاً بما يمكن تسميته «عودة الشرعية» إلى قصر بعبدا في 13 تشرين الأول، أو إعلان توحيد الجيش اللبناني. مع أن لهذه القوى، حليفة التيار الوطني الحر اليوم في غالبيتها، شهداء سقطوا في تلك المعارك. كما لا نجد سوريا تحتفل، بـ«إسقاط حليف نظام صدام حسين»، الذي أراد من دعمه عون، قصف دمشق وقلب الطاولة عليها في خاصرتها الغربية. إن كان بعض المسؤولين السوريين قد أخطأوا في لبنان، ومعهم لبنانيون طبعاً، وهو ما قاله الأسد شخصياً، فإن بعض اللبنانيين أخطأ بحقّ سوريا كثيراً، ولم تقم سوريا أو حلفائها بنكء الجراح.