الإعلام في لبنان في عصر العولمة منابر إفساد/ محمد الحسيني

يفتقر الإعلام في لبنان، التقليدي منه كالمقروء والمرئي والمسموع، والالكتروني الذي يسمّى الإعلام الجديد، إلى قواعد ناظمة وقوانين نافذة، ولئن أصدر وزراء الإعلام المتعاقبون والمجلس الوطني للإعلام اقتراحات ومشاريع تصبّ في خانة تنظيم الإعلام وإرساء شرعة له بغية تعزيز أخلاقياته ومبادئه، إلا أن كل ما تمّ إنجازه لم يتعدّ كونه حبراً على ورق وقاصراً على الإحاطة بالمخالفات الجوهرية والمباشرة في أداء الرسالة الإعلامية، فلا يزال الإعلام في لبنان، بوسائله وأدواته والمؤسسات الرأسمالية والسياسية والحزبية الراعية له، يشكّل بحد ذاته بوتقة بنيوية تتماسك على ذاتها وتفرض نمطاً ثقافياً – اجتماعياً دون حسيب أو رقيب ودون حساب ولا عقاب، ضارباً بعرض الحائط المبادئ الأخلاقية والقيم الاجتماعية والمفاهيم الإنسانية، ومتحصّناً بذريعة “حرية الرأي” و”الإعلام الحر”.

التشريع لا يضمن الحرّية

في دراسة أعدّتها وزارة الإعلام اللبنانية تحت عنوان “شرعة الإعلام والأخلاق المهنية في لبنان” نُشرت في آذار 2016، ورد أن “تنظيم الإعلام لا يحدّ من التنافس والمساواة، بل يهدف أولاً إلى حماية الحرّيات وتحسين نوعية الأداء وضبط التجاوزات ووضع حرّية التعبير في إطارها التطبيقي لأن التشريع وحده لا يضمن الحريّة”، وأشارت الدراسة إلى أن “الإعلام في لبنان تعرّض للإنتقاد مراراً منذ العام 1975 حول دوره المزعوم في تأجيج النزاعات، وغالباً ما استُغلت مفاهيم النظام العام والأمن العام والفتنة الطائفية، كذريعة للتعدّي على الحرّيات الاساسية، وبينها الحرّية الإعلامية”، ولفتت إلى أن ازدحام دعاوى القدح والذمّ المقدّمة إلى محكمة المطبوعات اضطر “مجلس النواب إلى إصدار ثلاثة قوانين بالعفو العام عن جرائم المطبوعات في الأعوام 1992 و1996 و2000″، وهناك دعاوى أخرى تمت إنهاؤها بعقد مصالحة ودّية بين المتنازعين؛ ويتّضح بهذا الكلام أن القضية انحصرت فقط في فكّ الاشتباك تحت عنوان “القدح والذمّ” بالتي هي أحسن، ولكن هل التفتت الأحكام إلى تأثير هذه المسائل على المجتمع اللبناني وما تركته من شوائب على التركيبة الثقافية – السلوكية لهذا المجتمع؟

أنماط سلوكية شاذّة

ويبرز تحدٍّ كبير في هذا المجال مع طغيان الإعلام الإلكتروني في عصر العولمة، وسطوة الفضاء الإفتراضي الذي لا يعترف بحدود الزمان والمكان، ولا يتقيّد بقانون أو قاعدة، بحيث أصبح كل مستخدم يمارس “هواية” الإعلام من وجهة نظره وانطلاقاً من قناعته ورؤيته الخاصة، من خلال استخدام شبكة الانترنت التي باتت تضم نحو ثلاثة مليارات وثلاثمئة شخص، ولكننا نتحدّث هنا عن الأداء الإعلامي في لبنان بوسائله وأدواته المرئية، وعن الخطاب الذي يبثّه هذا الإعلام ومضامينه الاجتماعية والتربوية والثقافية، والذي لا يراعي بمعظمه الحدود الدنيا من أخلاقيات مهنة الإعلام، سواء في نشرات الأخبار أو البرامج السياسية والاجتماعية وبرامج الترفيه والمنوّعات على وجه الخصوص، وهنا تكمن الأزمة بحقيقتها من خلال ترويج أنماط سلوكية شاذّة ليس فقط عن المجتمع اللبناني بل عن مجتمع الإنسانية بشكل عام.

إعلام العولة وما بعد الحداثة

منذ العام 1947 أكّدت لجنة “هاتشينز” الأميركية في تقرير لها حول حرّية وسائل الإعلام ودورها في المجتمع، على “تنزيه المهنة وإبعادها عن الأخطاء والأهواء والتأثيرات المتنوعة عليها لأن الأخطاء التي ترتكبها الصحافة لا تعنيها فقط بل هي تتحوّل الى خطر يهدد المجتمع، فإن هي أخطأت فإنها تقود الرأي العام الى الخطأ”، ولكن اليوم وبقدر ما أسهمت تكنولوجيا المعلومات والاتصال في توسيع حرية التعبير في الاعلام، بقدر ما فتحت الباب على مصراعيه أمام أنماط جديدة من الإنتهاكات الأخلاقية ولا سيّما في لبنان، فقد ابتعدت المؤسسات الإعلامية عن خدمة المجتمع، وبدل أن تكون صوت الناس أصبحت منابر إفساد مباشرة، تعمل بموجب برامج معولمة تكرّس مبدأ الاستهلاك، ومبرمجة على وتر الحرب الناعمة، وتستخدم عناوين رنّانة أبرزها على الإطلاق: حرية الرأي، وحرية المرأة وتحقيق المساواة، ولا تقف مخاطر هذا المسعى عند ضرب الأسس الثقافية والركائز الاجتماعية بل وصلت إلى حد توهين الدين في تطبيق جليّ لمنهج “ما بعد الحداثة” الذي يروّج لفكرة موت الإله وسيادة العقل والإنسان.

الشباب والمراهقون عناصر استهلاك

إن المؤسسة الإعلامية تحوّلت من وسيلة ترفيه إلى مؤسسة إجتماعية بالدرجة الأولى، ولكنها اليوم باتت تستخدم الترفيه في إطار تثقيفي – اجتماعي مدمّر، تهدف الشركات التجارية بواسطتها إلى الترويج لسلعها، فتندفع هذه الوسائل إلى ابتداع برامج استهلاكية هابطة لا تجد صعوبة في اجتذاب أكبر عدد ممكن من الجمهور ولا سيما من المراهقين والشباب، وهؤلاء لم يعودوا متلقّين فقط من وراء الشاشة بل أصبحوا مشاركين داخل الأستديوهات، وتحوّلوا بدورهم في بعض البرامج إلى عناصر استهلاكية يتم تجميعهم من لوازم الديكور وإضفاء الحماسة، إلا أن محور الأزمة يبقى في اختيار الموضوعات والضيوف في هذه البرامج، والتي تركّز على إشاعة الفضائح ومشاكل الأسرة والقضايا الأخلاقية الشاذّة في المجتمع وتشريع الخيانة الزوجية والإلحاد وحقوق المثليين، حتى أن اختيار أسماء البرامج غالباً ما تأتي منسجمة مع العناوين الرنّانة الي سبق ذكرها، في مسعًى ناعم ومباشر لترسيخ الفكرة في أذهان الجمهور وتعميم النمط.

الكل مطالبون والكل مسؤولون

وعليه فإن معظم المؤسسات الإعلامية في لبنان قد تخلّت عن هويّتها الأخلاقية، وتلعب للأسف دوراً تخريبياً مباشراً، وتسهم في تعميق الهوّة الثقافية – الدينية وتغذّي بذور الشقاق الطائفي والمذهبي فضلاً عن الإمعان في تكريس الانقسام العامودي بين الشرائح السياسية والحزبية، وبالتالي فهي لا تختلف في أدائها عن واقع الفساد المالي والإداري الذي يضرب لبنان، لا بل تفوقه خطورة وإفساداً في كثير من الجوانب، في حين تقف الدولة اللبنانية عاجزة بمؤسساتها وتشريعاتها وأدواتها الرقابية والقضائية عن القيام بأي دور، وحتى يدرك المسؤولون في هذه الدولة مدى الخطر الذي يتهدّد تماسك الوطن فإن الإعلام الفاسد في لبنان ماضٍ في ضرب جذور المجتمع، ولا أحد بعيداً عن الإدانة فالكل مطالبون والكل مسؤولون.
*****
موجبات قانون السمعي المرئي (المصدر: كتاب الأخلاق الإعلامية بين المبادئ والواقع – د. جورج صدقة)
حدّد القانون رقم 94/353 المؤقت المتعلق بالبث التلفزيوني والإذاعي في مادته الثالثة على المؤسسة الإعلامية التقيّد بالالتزامات الآتية:
– الالتزام بوثيقة الوفاق الوطني ومقتضيات العيش المشترك والوحدة الوطنية.
– الالتزام بحرية وديمقراطية النشاط الإعلامي ودوره خاصة في تأمين التعبير عن مختلف الآراء.
– الالتزام بالبرامج والمواد التي من شأنها تشجيع التنشئة الوطنية والمحافظة على السلم الاجتماعي والبنى الأسرية والأخلاق العامة.
– الالتزام بعدم البث أو نقل كل ما من شأنه إثارة النعرات الطائفية أو المذهبية أو الحض عليها بالمجتمع وخاصة بالأولاد إلى العنف الجسدي والمعنوي والإرهاب والتفرقة العنصرية أو الدينية.
– الالتزام بالبث الموضوعي للأخبار وللأحداث وباحترامها لحق الأفراد والهيئات بالرد.
– الالتزام باحترام حقوق الغير، الأدبية والفنية.
وحظر القانون نفسه في المادة الرابعة على المؤسسة الإعلامية ما يأتي:
– بث أي خبر أو برنامج أو صورة أو فيلم من شأنه تعكير السلامة العامة أو إثارة النعرات أو الشعور الطائفي أو المذهبي بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
– الحض على العنف والمساس بالأخلاق والآداب العامة والنظام العام.
– التعرض بصورة مباشرة أو غير مباشرة لأسس الوفاق الوطني ووحدة البلاد وسيادة الدولة واستقلالها.
– بث أو إذاعة أي قدح أو ذم أم تحقير أو تشهير أو كلام كاذب بحق الأشخاص الطبيعيين والمعنويين.
– عدم التزام الموضوعية في البرامج الإخبارية وعدم إعطاء الحدث والخبر بماهيته.
– بث ما من شأنه أن يشكل تعديا على ملكية الغير الأدبية والفنية والتجارية.
– بث أي موضوع أو تعليق اقتصادي من شأنه التأثير بصورة مباشرة أو غير مباشرة على سلامة النقد الوطني.
– الحصول على أي مكسب مالي غير ناجم عن عمل مرتبط مباشرة أو غير مباشرة بطبيعة عملها.

أضف تعليق

اترك رد

جميع الحقوق محفوظة © جريدة لبنانون توداي 2017

تصميم وبرمجة قمة سوفت

%d مدونون معجبون بهذه: