الإقتصاد لن ينهار… إليكم لماذا؟

أعذرني يا أخي اللبناني فإنك أخطأت في الحساب،

كلّما درستُ الإقتصاد اللبناني وما آل إليه يحضرني قول ألبرت أينشتاين بأنَّ أقصى درجات الجنون هي أن تُكَرِّر تجربة سابقةً بنفس المعادلة والأسس آملاً بأن تحصل على نتيجةٍ مغايرة. فأيها اللبناني إذا أردت الوصول الى نتائج جديدة عليك أن تبني معادلاتك على أسس أكثر واقعية وإن كان الواقع أليمٌ لكنه يبقى أقل إلاماً من خيبات الأمل التي حَصَدتَها خلال عقود من الزمن. فتعال معي نعيد إختيار المواد التي بنينا عليها تحاليلنا الإقتصادية وسترى بأن الرؤية ستصبح أوضح بكثير مما هي عليه الآن:

‌أ- الأعجوبة اللبنانية: لطلما تهرَّبنا من مواجهة حقيقة الفائض في ميزان المدفوعات معللينه بتحويلات المغتربين إلى أهلهم وبالإستثمارات الخليجية في لبنان وهذا كلام حق، لكنّ الباطلَ فيه هو أن نتغاضى وعن قصد عن بعض من مكوناته الأساسية وهي ما كانت تجذبه السريّة المصرفيّة اللبنانية من أموال مشكوك بمصدرها. اليوم وبحكم التدقيق الدولي الشديد في مكافحة الجريمة المالية وإلتزام لبنان بالمعايير الدولية شحَّ تدفق الأموال في ميزان المدفوعات. طبعاً إضافة إلى التعليل المنطقي الذي نسمعه دوماً عن إنخفاض مداخيل اللبنانيين في الخارج بحكم إنخفاض أسعار النفط وإنخفاض الإستثمارات العربية للسبب عينه، وبسبب منع السفر إلى لبنان الذي تفرضه بعض البلدان العربية على رعاياها كما والوضع الإقليمي عامة.

‌ب- التمويل السياسي: خلال الأزمة المالية العالمية في 2008، صرّح أحد وزراء المالية اللبنانيون السابقون في إجتماع مغلق بأن تأثيرات هذه الأزمة على التحاويل إلى لبنان في تلك الفترة تبقى محدودة بحكم توقع تدفق التحويلات الخارجية لتمويل إنتخابات 2009. أعجبتني جرأة هذا الوزير لأنه سمّى الأشياء بأسمائها يوم ذاك وإحتسب التحويلات السياسية ضمن توقعات التدفقات المالية. أمّا اليوم فساحات الصراع على كثرتها في المنطقة لم تعد تسمح بحصر هذه الأموال ببلدٍ واحدٍ.

‌ج- السيطرة على الفساد: فيما كنت أشاهد وثائقيا عن بنك إنترا ورأيت مآثر روجيه تمرز، ترحَّمتُ على سيئات يوسف بيدس. نتكلم عن مكافحة الفساد ونَعِدُ الدول المانحة بمكافحته. فإذا بها تتظاهر بالإقتناع، كونها تعرف بأننا لن نلتزم بالكامل وبالتالي هي لن تلتزم بالكامل أيضاً، كما سبق وحصل مرات عدَّة في السابق.

‌د- المطالبة بالكهرباء 24 ساعة: أثبتت مافيا الموَلِّدات على مدى السنين أنها لا تُحرَقْ ولا تُغرَقْ فيما تلتهم ملياري دولار سنوياً وما من رادع. هل يعلم المواطن أنه لو تأمنت الكهرباء 24 على 24 لتضاعف العجز السنوي للكهرباء بحكم عدم إمكانية وقف التعليق أو رفع نسب الجباية أو حتى بيع الكهرباء بكلفتها الحقيقية.

‌ه- السيطرة على التوظيف الغير المجدي: أمّا وقد شحّ التمويل السياسي الخارجي وإرتفعت البطالة، تفاقمت حاجة الأحزاب إلى توظيف المحسوبيات السياسية، وأضحى خَفْضُ عدد موظفي الدولة سراباً.

أخي اللبناني في معرض مشاركتي في إحدى اللّجان الإقتصادية المتخصّصة طُلِبَ مني أن أضع تصوراً لحلٍ إقتصادي لبلدي الحبيب، فجلست إلى مكتبي محاولاً إستعادت اللّازِمَة التي أسمعها في كل يوم وقلت في نفسي كم من السهل أن أردد مع كل فردٍ وإقتصاديٍّ ومؤسسة إقليمية ودولية وحتى مع سائق سيارة الأجرة: ضبط الفساد، ترشيق القطاع العام، لجم التوظيف، تأمين الكهرباء، خفض الفوائد، تكبير حجم الإقتصاد، ترشيد الإنفاق وغيرها من المقترحات الجميلة التي لم نستطع يوماً تطبيقها لا بل أمعنا بخرقها بوتيرة خالفت كل التوقعات، لكننا ما زلنا نرددها لنبقي الأمل في النفوس ولنؤمّن إحتياجاتنا الآنيّة من التمويل.
لا لن أطبّق هذه المعايير السليمة على معادلتي كي لا أخْلُصْ إلى النتيجة عينها التي نعيشها منذ سنين ولكي لا ينعتني آينشتاين بالجنون. معادلتي مبنية على الأسس التالية: الفساد مرض عضال لا شفاء منه فمن الأفضل التعامل معه بالطرق المُتاحة. أنا مقتنع بأن الإقتصاد لن ينهار وبأن الليرة ستصمد إذ أننا سنحصل على جزء من أموال “سيدر”، وسنستفيد من إعمار سوريا وسنستخرج النفط. لبنان باقٍ لأنه بتبايناته حاجة دولية لإستضافة اللاجئين من كلّ حدبٍ وصوب. فلنعترف بعيوبنا ولنعتمد الواقعية في معادلاتنا لكي لا نضيِّع الوقت ولكي يبقى لنا وطن.

 

 

الدكتور فادي خلف – أمين عام إتحاد البورصات العربيّة

أضف تعليق

اترك رد

جميع الحقوق محفوظة © جريدة لبنانون توداي 2017

تصميم وبرمجة قمة سوفت

%d مدونون معجبون بهذه: