’البطاقة الصحية’..الدولة تبيع مواطنيها سمكاً في البحر!

لطالما سمعنا عن أشخاص قضوا على أبواب المستشفيات بذنب الفقر. أولئك لم يتمكّن ذووهم من العبور بهم عتبة المستشفى قبل تخطي استحقاق الصندوق. جلهم لم يكن يملك المال، فوافته المنية. بعضهم تعرّض لطارئ ولم يُسعفه الحظ في امتلاك المال بالجيب، فتُرك ينزف حتى الموت. بعض الحالات كانت تحتاج إنعاشاً بسيطاً لتُكتب لها حياة جديدة، كما يقولون. فلا التوسل للعاملين في الصندوق يشفع للمواطنين، ولا الوعود بتأمين المال لاحقاً، تنقذهم. وغالباً ما يأتي الرد على هيئة اعتذار، فالأوامر هكذا، وتحتّم علينا عدم استقبال أي مريض قبل دفع التأمين. أما من يحالفه الحظ، ويعرف ذووه مسؤولاً، فتُفتح له الأبواب بسرعة البرق، ليدفع المواطن ثمن النظام الصحي الزبائني المهترئ.

الاستخفاف بحياة البشر ليس أمراً طارئاً على اللبنانيين، الذين انتظروا لعقود تغطية صحية شاملة تقيهم شرّ الذل على أبواب المستشفيات. الأمثلة على ذلك كثيرة، فمن منا لا يتذكر حادثة معينة من سيناريو “الموت على أبواب المستشفيات المتكرر”، سواء طالعها عبر وسائل الإعلام، أو سمع عنها. الشواهد في هذا الصدد كثيرة، منها على سبيل المثال، قصّة الرضيعة إنعام التي ماتت على باب المستشفى في عكار  لعدم امتلاك والدها مئة دولار. الطفل مصطفى الذي وافته المنية في طرابلس إثر تعذر إدخاله الى غرفة إنعاش، بسبب عدم تأمين المبلغ المطلوب على الصندوق. والطفل مؤمن المحمد، الذي قضى على مدخل الطوارئ في طرابلس، أيضاً. حتى الفنانة أماليا أبي صالح واجهت الموقف نفسه، ولم يشفع لها “إسمها”، إذ لم تستطع من متابعة علاجها في مستشفى الجامعة الأميركية، لولا وساطة وزير الصحة آنذاك، بحجة أن المستشفيات لن تستقبل المرضى لعدم تجديد العقد مع الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

وللأسف، فإنّ هاجس “الموت على أبواب المستشفيات” لطالما راود اللبنانيين، الذين لا حول لهم ولا قوة، والذين يبيتون بلا نظام صحي عادل. يخافون يوماً يواجهون فيه المصير ذاته. فيحلمون بتغطية صحية شاملة وموحدة تقدّم لهم الخدمات دون منة من أحد.

منذ شهر تقريباً، خرج وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال غسان حاصباني من قاعة مجلس النواب، ليزف بشرى الى اللبنانيين. اللجان النيابية المشتركة أقرت قانون “البطاقة الصحية” لنحو أربعة ملايين لبناني. ما بشّر به حاصباني، انتظره المواطن لسنوات، لكن الفرحة به أتت غير مكتملة. فالاقرار جاء “ناقصاً”. اللجان لم تقر جميع مواد قانون البطاقة، بل علّقت 4 مواد أساسية 1 و4و10و11، تتعلق بمرجعية البطاقة وكيفية تمويلها. الأمر أشبه بمن يشتري سمكاً لا يزال في البحر، ما يستحيل العمل بقانون البطاقة قبل تأمين مصادر التمويل. الخطوة التي تصفها مصادر متابعة للملف بالشائكة، والمُعقّدة، خصوصاً في بلد يعاني ما يعانيه من العجز والمديونية. تصف المصادر قانون البطاقة الصحية بالجميلة جداً، والرائعة، والتي تُحدث نقلة نوعية في حياة اللبنانيين، ولكنها تدعو الى مقاربة الأمور بواقعية، ومنطق، بعيداً عن الاستعراضات الاعلامية. المطلوب بنظرها، البحث عن مصادر تمويل، وإقرار سلّة مواد القانون بشكل متكامل لا يبيع المواطن أحلاماً وردية، وصيتاً فارغاً من أي نتيجة. تُشبّه المصادر القانون بالشكل الذي أقر فيه بالفقاعة الهوائية، التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

لا يختلف اثنان على أنّ البطاقة الصحية، خطوة ممتازة في المضمون. فهي بطاقة أقرت ليستفيد منها جميع اللبنانيين. تعمل على “أرشفة” كل تاريخ المواطن الطبي، فلا يضطر الى اجراء الفحوصات من جديد في حال نقل ملفه من طبيب الى آخر. تشمل خدماتها الرزم الصحية الاساسية والعلاجية. توفير الفحص الطبي والفحوصات المخبرية والشعاعية السنوية في المستشفيات الحكومية. توفير الاستشفاء من المستشفيات الحكومية والمستشفيات الخاصة المتعاقدة مع وزارة الصحة. كما تؤمّن غسيل الكلى وأدوية السرطان والأمراض المستعصية.

كل ما سبق خدمات “جليلة” يطمح اليها كل لبناني. خدمات تُقدّمها البطاقة التي لا تزال حبراً على ورق في الشكل الذي أقرّت فيه، والذي يطرح العديد من التساؤلات حول مرجعية هذه البطاقة، والمصادر التي ستستند عليها في رحلة التمويل، سيما في ظل ما أشارت اليه المصادر بأنّ كل مواطن لبناني سيُكلّف بموجب البطاقة قرابة الـ300 دولار سنوياً، ما يعني كلفة ثقيلة على الدولة إذا ما تحدّثنا عن نحو مليون ونصف الى مليوني لبناني ستشملهم البطاقة، لعدم تغطيتهم من قبل الضمان الاجتماعي. ما يطرح العديد من علامات الاستفهام في ما إذا كان باستطاعة القانون العبور للمصادقة عليه في الهيئة العامة لمجلس النواب، أم أنه سيصطدم بالواقع المالي السيء جداً للدولة!، وفي حال جرى البحث عن مصادر تمويل، هل سيتكبّد المواطن نفسه كلفة الفاتورة عبر ضرائب جديدة سيدفعها، ليصدق المثل القائل “من دهنو قليلو”. من الذي سيدير صندوق التمويل الخاص بالبطاقة، هل سيجري الحاقه بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي؟ أم بوزارة الصحة مباشرة؟، أم سيجري استحداث لجنة خاصة؟.

كثيرة هي الأسئلة المشروعة التي تحوم في رحاب البطاقة الصحية. أسئلة  قد لا تعني المواطن اللبناني كثيراً، بقدر ما يعنيه الحصول على حقه بالتغطية الصحية، في بلد أصبح فيه هذا الأمر بمثابة حلم صعب المنال.

أضف تعليق

اترك رد

جميع الحقوق محفوظة © جريدة لبنانون توداي 2017

تصميم وبرمجة قمة سوفت

%d مدونون معجبون بهذه: