“الجاهلية”…بقلم مازن عبود

خرجت الانسانية من جاهليتها الى الحضارة منذ اكثر من عشرة آلاف عام من بوابة هذه المنطقة. وها اننا اليوم ومن بوابة الجاهلية نعود فنؤكد بأننا مازلنا نعيش فيها.
الجاهلية اعطتنا دروسا في هذه الايام. ومن دروسها ان نتعلم كيف نعيش في المدنية. ونتقن فنون وطرائق التواصل والتفاعل. فنتعلم فنون وطرائق الاختلاف والتعبير عن النفس. فنوصل الرسائل من دون خسائر. نهذب لغة تخاطبنا في منطقة محمومة كي لا نقع في المحظور. والمحظور فتنة تحرق فرنسا لأنها قررت اقصاء عصر النفط والاستغناء عن الماكينة العسكرية الامريكية على ما يبدو. والفتنة ايضا نار سورية. وحرب بالوكالة في الجبل، قابلة للتمدد على كامل تراب الوطن.
اما يكفي كيف بدأت سوريا تغيّر خرائط اوروبا وتسهم في هز سلام العالم؟ هل انّ نتائج حروب سوريا تتمخض معادلات جديدة في لبنان، والمعادلات لا تخرج الا من رحم الفتن والاضطرابات؟
ام انه الخوف الذي يعصف ويجبر القوي على الامساك بزمام الامور، والاقل قوة عسكرية الى فتح جبهات استباقية كي يشعر بقوته؟
ما اعرفه هو انّ الجاهلية كانت حالتنا قبل الثورة الزراعية. والزراعة جعلت الانسان ابن الارض والبيئة التي يستوطنها. ومن ثمّ اتت الثورة الصناعية التي جعلتنا منا بلوريتاريا. فانتهت الارياف وتمددت المدينة كي تلتهم كل شيء. لكن اضحت المدينة ريفاً. والريف اضحى صحراء وساحة انتهاكات. واتى العصر الجديد الذي هو للتواصل والخدمات. فصار الانتاج خدمة يؤديها بشري لأخر، وفريق لأخر من دون انعكاس على الدخل القومي. فصار الكلام سلعة. واضحت السلعة بلا ضوابط. صار العصر الجديد عصر التفلت من كل شيء وثورة بالمقلوب انسانيا. فهو عصر التفلت من الانسانية والحضارة بمفهومها الكلاسيكي. وامسى التعبير يغتال كل الحقوق. ويعيدنا الى الجاهلية واللاحضارة. عصر سحبنا من ساحات التفاعل الى غرفنا المغلقة واجهزتنا الزكية. فصرنا لا نخرج الا كي نتقاتل. ولا نتكلم الا كي نقصف.
لبنان بلد ساحات التفاعل التي تتحول برمشة عين الى ساحات تصادم. في الجاهلية صرخات سمعتها. صرخات تدعونا الى العودة الى ساحات التفاعل لصيانة مقومات البلد.
الجاهلية تدعونا الى الخروج من ابراجنا وغرفنا كي نستمع الى هموم الناس. الجاهلية درس صارخ يدعونا الى اعادة البلد الى المسار الصحيح. فتتشكل حكومة ونعيد النظر في كيفية اختلافنا وفي مرادفات تخاطبنا.
نعم، علينا التعلم من دروس الجاهلية كي لا نعود الى الجاهلية. والمنطقة بأسرها اختطفتها الجاهلية.

أضف تعليق

اترك رد

جميع الحقوق محفوظة © جريدة لبنانون توداي 2017

تصميم وبرمجة قمة سوفت

%d مدونون معجبون بهذه: