الحمل الثقيل (بقلم ايلي انطون شويري)

إن تتالى الأحداث في حياة كل شعب، بحسب التسلسل الزمني المحتّم، يتم حفظه وتدوينه وتأريخه كتابة وشفهيا لينطبع في ذاكرة الشعب، ويشكل ما يسمى بالتاريخ. الشعوب تفتخر وتتباهى بتاريخها، وتتغنى بأمجاده في أناشيدها الوطنية وأشعارها وآدابها وفنونها. التاريخ المليء بالحروب والإنجازات العلمية والحضارية يصبح “إرثا” ثمينا لكل شعب. وكلما أوغَلَ عمر هذا التاريخ في الماضي السحيق كلما ازداد افتخار الشعب بقدمه وعراقته وأهميته، خاصة بالنسبة إلى سائر الشعوب الحديثة التاريخ.

إنّ تراكم إرث التاريخ المعيد لنفسه بكل همومه وسيئاته الطاغية، هو في الحقيقة تراكم لأحمال ثقيلة على أكتاف أي شعب ولو لم يعترف أحد بذلك، ومهما افتخر الشعب بتاريخه وتناسى الدماء والجروحات، أكان هذا الشعب عريقا في القدم أم حديث الولادة.

إذا كان التاريخ مجموعة أمجاد هي مدعاة للتغني والإفتخار والرِضى، فلماذا يا ترى لا نرى شعبا واحدا سعيدا اليوم خاصة الشعوب المُستَضعَفَة، المُضطَّهدة، المظلومة، كالشعب اللبناني، مثلا؟

ولماذا لا نرى إلا المشاكل ولا نسمع إلا الأخبار السيئة تعيد نفسها بشكل مستمرٍّ، مُحْبِطٍ، مُقْرِف؟

ولماذا لا تدومُ العصورُ التي تُسَمّى ب”الذهبية” طويلا في حياة الشعوب، التي سرعان ما تنقلبُ مآسِيَ وأحزانا ومآتمَ وأرَقا؟

ولماذا حدثت حروب كثيرة في كل مكان وزمان، وما تزال تحدث حتى اليوم، وثمة حديث مخيف اليوم يدور حول حرب عالمية ثالثة محتملة، إذا حدثت يكون فيها فناء البشرية جمعاء بسبب وجود قوى تدمير هائلة بأيادي حكّام متكبرين، مُصاببن بجنون العظمة، قساة القلوب، غلاظ العقول؟

ولماذا الأرض مليئة بالمجاعات والأمراض والعاهات وغلاء المعيشة والفقر والجريمة والظلم والسجون والحقد والتجديف واللعن؟

ولماذا هذه الفروقات الهائلة المتزايدة يوما بعد يوم بين الشعوب والدول من ناحية امتلاك الثروة والقوة؟

ولماذا يسيطرُ سوء تفاهم مخيف يتحوّل الى عداءٍ متزايدٍ مستحكِمٍ بين الشعوب، لا بل وبين أفراد الشعب الواحد، ولماذا لا يتحاور الناس، “كبارا” أو “صغارا”، إن هم قبلوا أن يتحاوروا، إلا في جوّ حذَرٍ شديد وتذاكٍ وشكٍّ وانعدام ثقة؟

ولماذا البشرية في حال فقدان توازن دائم، لا تستطيع أبدا ان تحقق إنسانيتها كما هي على حقيقتها السامية وكما ينبغي أن تكون؟

ولماذا يمثِّل قادةُ الشعوب دور الآلهة، آلهة الغرور والشرّ، ولا من يوقفهم عند حدّهم؟

ولماذا لا وجود للرحمة والمحبة والإحترام في علاقات الناس والشعوب بين بعضهم البعض، وكأنه أمر معيب، وغريب، وغير منطقي، وغير واقعي، وكأنه أمر سخيفٌ وغير جدّي أن يكون لهذه الكلمات استعمال ووجود وجدوى في قاموس ومفردات السياسة الباردة الجافة، حيث لا وجود ولا سيطرة إلا لروح القوة والمال والدهاء والكبرياء والغرور والمصلحة والأنانية، ولروح عبادة البشرية لذاتها البشعة، التافهة، الفارغة، الجاهلة، عبادةً مدمّرةً لذاتها وللآخرين؟

في النهاية، وبالمختصر المفيد، إن الحمل الثقيل لتراكمات التاريخ بكل أوحال همومه ومآسيه يحملها الشعب الكادح المسكين وحده، الشعب المخدوع بأمجاد وهمية لا تطعم خبزا، ولا تشفي مرضا، ولا تفرّج عن كرب.

إن ما يسمى ب”صنّاع التاريخ” المتهافتين تهافتا شَرِها، مجنونا، على دخول هذا التاريخ من بابه العريض، من حكام دول وقادة جيوش، ومن أصحاب مصارف ومناجم ذهب وألماس ومعادن ومعامل وآبار نفط وبورصات، إنما هم يَنفُذون دائما بجلدهم حين يدهمهم الخطر الذي هو من صنع أيديهم، ويخلدون بسرعة، هم وعيالهم، إلى أبراجهم العاجية الفخمة الآمنة، الهانئة، يتفرّجون على ما يجري عن بعد، ويديرون دفّة الأحداث بدم بارد وكبرياء وشعور بالعظمة لما جنت أيديهم، وهم يحتَسون المشروبات الروحية، ويدخّنون السيغار الفاخر، منهمكين بالتنظير والتفلسف بعد أن يكونوا قد أشعلوا نيران الفتنة والشر بين الناس، وزجّوهم في جحيم الصراعات والمشاكل والحروب، بعيدا عن مساكنهم وحياتهم الخاصة. ثم تراهم يتحيّنون الفرص لاقتناصها وإعادة الكرّة من جديد.

الدول الصغيرة الضعيفة هي دائما وحدها الضحية. وشعب لبنان، الوطن الصغير جدا والمنقسم دائما على ذاته، كان وما زال ضحية لعبة “الكبار” الوسخة، “كبار” الداخل و”كبار” الخارج.

إنه لواقع معروف من الجميع، ولكن لم يستطع أحد تغييره، حتى اليوم، لا بالقول الحسن البناء أو بالقول المنتقِد الجارح، ولا بفعل الثورات الدموية. وإذا كانت الديمقراطية هي السبيل الأفضل والأنجع والأسلم لإحداث تغيير ما في هذا الواقع، بإعطاء الشعب حقه بإختيار ممثليه في الحكم، فخداع الشعب وتملقه واستضعافه واستغباؤه من قبل الحفنة الحاكمة نفسها، أو الوريثة، أو الجديدة الطارئة، يستمرّ دائما بطرق وأساليب وحِيَل مختلفة. أما الشعب، في هذا الجوّ من الديموقراطية المخادعة الكاذبة، فهو يظلّ منهمكا، بمعظمه، في تحصيل لقمة عيشه بعرق جبينه، ويظل، رغم وعيه لمآسيه ومسببيها، خائفا، لامباليا، قرفا، غاضبا، صامتا، وعاجزا عن إصلاح الأمور.

أجل، الأمر الواقع المرير يعيد نفسه باستمرار في كل مكان، وبنوع خاص في لبنان، الوطن الصغير المستضعَف على الدوام. الإنتصار هو دائما لغرائز وشهوات القوة والعنف والطمع والتعدّي والإستملاك والسيطرة والسلطة والإستعباد والكبرياء والأنانية والكذب والخداع والجنون، المعشِّشة في نفوس الحكام، لا لمبادىء الحكم الصحيح والأخلاق الحميدة، حتى في أعرق الديمقراطيات. لا لزوم هنا لذكر أمثلة أو لدراستها إثباتا لما نقول، فهي متوفرة بكثرة في دول العالم وفي بلادنا بالذات، ومعروفة ومعتَرَف بها بنسب ودرجات متفاوتة من الوعي والجرأة والصدق، من قبل الإعلاميين وأبناء الشعب المغبون، العاجز، الساكت

أضف تعليق

اترك رد

جميع الحقوق محفوظة © جريدة لبنانون توداي 2017
%d مدونون معجبون بهذه: