الخيارات الإسرائيلية المحدودة وحسابات الأمن القومي الجديدة// محمد علي جعفر

لم تعد تل أبيب قادرة على فرض خياراتها الإستراتيجية كالسابق. وهو الأمر الذي باتت تحكمه حساباتٌ جديدة لم تكن موجودة أفرزها الواقع الجديد للأطراف والمعادلات الإقليمية. لنقول أن الخيارات الإسرائيلية باتت محكومة بالبيئة الإستراتيجية تحديداً الإقليمية منها، والتي ترتبط مباشرة بحسابات الأمن القومي الإسرائيلي. وهنا يبرز التقرير العسكري الذي قدمه رئيس الإستخبارات العسكرية اللواء “تمير هايمن” أمام لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست، والذي يعرض خلاصاتٍ تُبرز المسارات الممكنة والسيناريوهات المستقبلية للحرب والمواجهة، تحديداً مع حزب الله بعد التطورات الأخيرة في الشمال الفلسطيني. هذه الخلاصات مبنية على قراءة إسرائيلية لمسار التطورات في المنطقة، لا سيما بعد الحرب على سوريا واليمن، والخيارات السياسية والأمنية المتوفرة لدى القيادة الإسرائيلية بناءاً لتحليل البيئة الإستراتيجية للكيان الإسرائيلي. 

وهنا فإن ما ركز عليه التقرير بحسب الخبراء المتابعين للشأن الإسرائيلي، يمكن تلخيصه من خلال تمييز مسارين ممكنين للأحداث، يعتبرهم المُخطط الإسرائيلي الأكثر احتمالاً:

أولاً: بناءاً للظروف الحالية الإقليمية والدولية ومعادلات الصراع الموجودة وحسابات الأطراف كافة، فإن احتمال قيام أي طرف بفتح حربٍ ضد الكيان الإسرائيلي هو أمر غير مُمكن ومستبعد.

ثانياً: هناك إمكانية عالية لأن يؤدي أي تطور عسكري الى ردٍ من الطرف الآخر، وقد تتدحرج الأمور نحو مواجهة قد تُشعل حرباً في حال تطورت.

يبدو واضحاً ارتباط المسارات على الرغم من اختلافها. فاستبعاد الإحتمال الأول لخيار الحرب الإبتدائية هو ما يُعتبر نتيجة طبيعية لعدة أسباب واقعية أهمها عدم رغبة أي طرف بفتح حرب أو الذهاب نحو خيار التصعيد العسكري. إلا أن الواقع الذي تتمتع به الأطراف في ظل محاولتها الحفاظ على موقعها وتعزيز وضعها الإستراتيجي، ومنع أي محاولة لفرض معادلات جديدة في الصراع لا تتماشى مع نتائج الحروب والتي أفرزت أحجام جديدة للأطراف – تحديداً روسيا وإيران وحزب الله، وهو ما جاء على حساب أحجام وقدرة واشنطن وحلفائها ومنهم الكيان الإسرائيلي – يعني سعي الأطراف للحفاظ على هذه النتائج كحد أدنى. ما يعني عدم قبول محور المقاومة وروسيا بأي سلوك قد يُعيد الأوضاع الى ما قبل سنتين، كما أن واشنطن وحلفاءها لن يقبلوا بأي سلوك قد يُقلل من نفوذهم المتراجع. لذلك فإن الجميع قد يسعى للحفاظ على الواقع الحالي دون القبول بأي تطورات تغييرية.

فيما يخص العقل الإسرائيلي فإن تل أبيب تقرأ الأمور بحسب مصلحتها وما تُحتمه عليها حسابات الأمن القومي الإسرائيلي. وهنا يجب لحاظ مسائل مهمة تُعتبر أساساً في القراءة الإسرائيلية:

أولاً: تنطلق تل أبيب من واقع أدركته يتعلق بالبيئة الإستراتيجية الحالية التي لم تعد توفر لها مقومات الحماية لا سيما إقليمياً، بل تُعتبر بتفاصيلها بيئة مُهددة لها، ما يجعلها راضخة لواقع الضعف الإقليمي الذي تعيشه.

ثانياً: لم تستطع تل أبيب رغم المساعي الأمريكية والخليجية تأمين مقومات الردع الإستراتيجي تجاه مكونات محور المقاومة.

ثالثاً: استسلمت القيادة العسكرية والأمنية لعدم القدرة على القيام بالسلوك التقليدي الذي يمارسه الجيش الإسرائيلي، أي القيام بعدوان دون وضع حسابات للنتائج. وهو ما حصل كنتيجة لنجاح محور المقاومة في فرض معادلات الصراع. ترسَّخ هذا الشعور بعد الأزمة الروسية الإسرائيلية وخروج العلاقة بين الطرفين عن مسارها التقليدي بعد حادثة اسقاط الطائرة الروسية.

يبدو واضحاً المعضلة البنيوية التي يعاني منها الكيان الإسرائيلي. معضلة ترتبط بالوجود والظروف. لم تعد تل أبيب قادرة على فرض الخيارات فالحسابات تغيرت. الظروف معقدة والجميع يقود سلوكه من موقع حجمه في الصراع وقدرته على لعب الأدوار. لكن الجيش الإسرائيلي يعيش اليوم أزمة الضعف. هي أزمة تبدو جلية في سلوك صُناع القرار الذي باتوا مختلفين فيما بينهم، ليس فقط في قراءة المشهد بل على الرؤية والتكتيك الظرفي. يجمعهم فقط التقدير بأن الخيارات محدودة.

فيما يخص التهديدات الإسرائيلية وسلوك الجيش في الشمال الفلسطيني، فما تزال الأمور محصورة في الأراضي الفلسطينية. يُدرك العدو أن القيام بأي خطوة غير مدروسة، لن تبقى دون ردٍ من حزب الله الذي استطاع ترسيخ حقيقة أن القيادة الإسرائيلية تُخطئ دوماً في التقدير والحسابات. لتكون تل أبيب أمام خياراتٍ محدودة تحكمها معادلات حزب الله والتي باتت تمس الأمن القومي الإسرائيلي.

أضف تعليق

اترك رد

جميع الحقوق محفوظة © جريدة لبنانون توداي 2017

تصميم وبرمجة قمة سوفت

%d مدونون معجبون بهذه: