عاجل

#النجمة وطن .. وماتوا في حب الوطن !

عند كل مفترق سياسي يمر به لبنان، وعند اي انقطاعٍ في سبل التواصل بين زعيمين تقليديين، ينزل جمهورهما إلى الشارع ليقطع الطريق على الآخر، إمّا عبر حرق الدواليب أو عبر تكسير السيارات. هكذا هو الشعب اللبناني، الذي يفتقد منذ زمنٍ طويل لأساليب ضبط أعصابه في بلادٍ يحكمها التوافق لا القانون، والتراضي لا الأسس السليمة ومبدأ الثواب والعقاب، في السياسة وكذلك في غيرها.
الرياضة، التي تجذّرت بها السياسة منذ زمن، عبر التحكّم بتمويلها وإدارة قطاعاتها، ليست ببعيدة عن المشهد أعلاه.
رقي وحضارة وبعض النتائج المشرّفة حينًا، والكثير الكثير من الهمجية والفساد في أحيانٍ أخرى.
مشاهد لا يمكن أن تُمحى من بال وذاكرة الشعب اللبناني تجمع التناقضات بعينها.

ففوز نادي الحكمة ببطولة آسيا في غزير قبل 17 عامًا، واحتفال اللبنانيين في الملعب وخارجه بدءًا برئيس الجمهورية وليس انتهاءًا بأصغر طفلٍ اصطحبه والده إلى اوتستراد جونية بعد نهاية المبارة، لا يرسم المشهد برمّته، فتضارب هؤلاء الجماهير أنفسهم مع لاعبي فريق الرياضي قبل موسمين على أرض الملعب نفسه، تؤشّر بوضوح إلى أن المجتمع اللبناني الرياضي، ومن خلفه معظم الشعب اللبناني، لم يحز بعد على ثقافة تقبّل الخسارة. والأمثلة عديدة من كرة السلة إلى كرة اليد مرورًا بالرياضات النسائية!
كرة القدم، إحدى هذه الرياضات العبثية في لبنان. وجمهور هذه اللعبة الذي لم يسقط من المريخ عبر مركبات فضائية، ولم يُرسل إلى لبنان مع الحملة الصليبية الرابعة عام 1204، ولم ينزح من فلسطين أواخر الأربعينيات من القرن الماضي، ولم يأتِ أيضًا من سوريا هربًا من الحرب، هو وليد هذا المجتمع واكتسب ثقافته وطريقة عيشه وتصرّفه وتأقلمه من التربية اللبنانية، وكذلك ردود فعله وعدم تقبّله الخسارة.
غياب الثقافة لدى المجتمع اللبناني الذي خرج جمهور كرة القدم من رحمه، يحتّم على المنظمين والسلطات ايجاد رادعٍ أخلاقي وفعلي يمنع تفلّت الأمور في الملاعب وتفشّي الفوضى، من خلال اطارٍ يحاسب المشاغبين ويحمي الباقين من الحضور من خلال صون حقهم في مشاهدة سليمة وممتعة لهم ولعائلاتهم. انتفاء هذا الرادع يعني أن الشغب مسموح! وأن من عليه تنظيم الحدث الرياضي نوى من خلال تغييب الإجراءات الأمنية، وتقييد رجال الأمن في أرض الملعب لا على المدرجات، دفع الجمهور نحو ردود فعل غير منضبطة، تمامًا كما حصل في ملعب المدينة الرياضية الإثنين الماضي.
ردة فعل البعض من جمهور نادي النجمة تعكس الواقع الذي يعيشه اللبنانيون في حياتهم اليومية، فتلاقي غياب الثقافة الرياضية مع غياب الوعي النتظيمي دفع ثمنه الجمهور الشغوف بفريقه وباللعبة، وستدفع ثمنه ادارة نادٍ لطالما عانى من الشح المادي في السنوات الأخيرة.
الشغب لم ينتهِ هنا، بل أن شغبًا من نوعٍ آخر استمر منذ نهاية المباراة وتحطيم الكراسي إلى ساعة كتابة هذا المقال، فمحاولة شيطنة نادي النجمة دونها الكثير من المظلومية والإفتراء؛
إلصاق تهمة الشغب و”الزعرنة” بما يزيد عن عشرة آلاف مشجع أمرٌ ليس بمنطقي، اذ أن الصور والفيديوهات تظهر بوضوح أن العشرات فقط يقفون خلف ما حصل
طيلة سنوات الحرب وحتى في عز الإنقسام المذهبي والطائفي لا سيما بعد مقتل الرئيس الشهيد رفيق الحريري، بقي نادي النجمة جامعًا لمعظم الشرائح الإجتماعية والسياسية والطائفية في مدرج واحد، وهو ما تعجز عنه مؤسسات البلد كافة، وهو الأمر نفسه الذي عجز اتفاق الطائف عن زرعه في النفوس!! نادي النجمة زرعه في نفوس ناسه وشعبه!
رمزية انتماء الجمهور للنادي، رغم كل الإغراءات المادية والحزبية والمذهبية تاريخيًا، ورغم كل محاولات القمع والمنع والتهجير والإبعاد، تعكس ثباتًا وقوة جعلت نادي النجمة شبيهًا بالأندية العملاقة عربيًا ودوليًا، فيما تنازع الأندية الباقية على محاولة استمالة مشجع من هنا، ولاعب من هناك.

 

رمزية الإنتماء هذه تتجسّد في عائلة المرحوم ابراهيم رمضان الذي مات في حب النجمة ولم يقتله السرطان. يوم توفي الوالد ابراهيم بعد صراع مع المرض شاع الخبر بين أبناء منطقته بجملة واحدة ” توفي أبو أحمد النجماوي”. انتصر المرض على أبو أحمد إلا أن أولاده أكملوا الطريق التي رسمها الوالد فحب النجمة إرثهم الوحيد. لم يفارقوا المدرجات، رافقوا النجمة أينما حلّت، لكن المرض عاد من جديد وكأنه أراد قتل حب النجمة في قلوبهم فاختار علي، قاوم علي مرضه وتحامل على أوجاعه دون مفارقة الملعب. استشرس المرض فأدخله غيبوبة حرمته من مشاهدة مباراة فريقه الأولى أمام العهد، ليستفيق بعدها ويخبره شقيقه احمد ان فريقه المفضّل قد هزم العهد بأربعة اهداف مقابل لا شيء! كذبة بيضاء كانت كفيلة لتعيد البسمة الى شفتيه وكان هذا اقصى ما يمكن له فعله. رحلة العشق لم تنتهِ فالأطباء كانوا قد أخبروا احمد قبل ليلة واحدة من ديربي لبنان بأن شقيقه قد يفارق الحياة بين لحظة وأخرى. توجّه الشقيق الأكبر الإثنين الماضي إلى المدينة الرياضية ومهمته الوحيدة العودة بنصر أخير لأخيه، فشاء الله أن يتوفى له علي بين شوطي المباراة، فعاد أدراجه باكيًا !
النجمة حب وانتماء، دمعة وابتسامة وشغب قليل لا مفر منه !
النجمة وطن.. يحيا الوطن

أضف تعليق

اترك رد

جميع الحقوق محفوظة © جريدة لبنانون توداي 2017
%d مدونون معجبون بهذه: