امدحوا أولادكم لجهودهم وليس لمواهبهم

يدخل الأطفال المدرسة، ويبدأ المعلمون بغرس فكرة أنّ الاجتهاد هو مفتاح النجاح، وأنّه المعيار الأوحد، فمن جدّ وجد، ومن زرع حصد، ومن سار على الدرب وصل، والتكرار يعلّم «الشطّار». وعلى مرّ الوقت، يكتشف بعض الطلاب زيف هذا الادعاء نسبيًّا، إذ إنّ مواهبهم الطبيعية تساعدهم للبقاء في المقدمة ببذل مجهود أقل من الآخرين.

وبينما يقضي بعض الطلاب الحصّة متلعثمين أثناء القراءة، يكون آخرون قد قرأوا بالفعل كتب الصفوف الأعلى منهم. وفي حين نجد أنّ البعض يفهم الرياضيات بشكل سريع، يبذل آخرون الكثير من الجهد لاستيعاب ما يحدث، وبالمقابل قد يتقن آخرون الرسم، ويشعر البعض الآخر بالعجز أمام سؤال ارسم شجرة ونهر.

ولا يمكن لوم الموهبة فحسب هنا، إذا تلعب البيئات التي يأتي منها الطلاب دورًا خفيًا آخر، فبينما يعيش أحدهم في بيت ملئ بالكتب، ويواظب والده على شراء المجلات والكتب، يعيش آخر في عائلة من المهندسين، وتحب الرياضيات، وهلمّ جرا.

ولأنّ معظم النظم التعليمية تعامل الطلاب كأنهم في سلّة واحدة، ويتم امتحانهم بجميع المواد بنفس الطريقة، دون أخذ مواهبهم بعين الاعتبار، فسيتفوق ذوو المواهب بشكل آلي ببذل مجهود أقل من أقرانهم، وسيصلون لقناعة خفية دون إعلانها للجميع وهي أن النجاح يعتمد على الموهبة، رغم أن أهاليهم وأساتذتهم سيصدعون رأس معارفهم أنّ جهد أولادهم هو سبب تفوقهم، وبينما يبذل طلاب عاديون ساعتين لدراسة درس ما، سينهونه في نصف ساعة، وقضاء باقي الوقت في اللعب، فالنظم التعليمية التقليدية لا تحفز أصلًا التعلم خارج الصندوق، ولا تكافئ حسب الجهد أصلًا.

ومع مرور الوقت، لن يتعرض هؤلاء المتفوقون للفشل كثيرًا في حياتهم، ولكن بعد دخول الجامعة، سيجدون أنفسهم في منافسة غير عادلة، فهم الآن مع الأوائل والمتفوقين من مدارس عدّة، وما كان موهبة لديهم، لم يعد الأفضل بعد الآن.

إذا عدنا للوراء قليلًا مرة أخرى، أعتقد أنّ المشكلة تبدأ عندما يقوم الأهالي والمعلمون بمدح أولادهم، والإطراء على تنفيذهم المهام بسبب ذكائهم فحسب، وبسبب مواهبهم الطبيعية بدل مدحهم نتيجة الجهد الذي بذلوه لإنجاز المهمة.

سينال طفل ذو معدل ذكاء عالٍ، وخاصةً في الرياضيات مديحًا وإطراءً على ذكائه لحل معادلة رياضية بسرعة ذهنية لذكائه، وسرعة معالجة الأرقام في دماغه، وسيأتي الإطراء نتيجة ذكائه وليس نتيجة جهده المبذول في الحل، سينال إطراءً لموهبته والادعاء أنّ الإطراء هو لجهده!

وهنا يحضرني تعقيب كارول دويك، عالمة النفس في جامعة ستانفورد: «يتعلّم الأطفال أنّ الذكاء ليس هو النجاح في التغلب على التحديات الصعبة»، وأنّ النجاح هو «أن تجد الأمر سهلًا فحسب».

وعندما يذهبون للجامعة أو الدراسات العليا، أو مرحلة العمل إذا ما تجاوزوا مرحلة الجامعة بذكائهم أيضًا، تبدأ الأمور في أن تصبح صعبة حقًّا، فهم ليسوا مؤهلين للتعامل مع الوضع الجديد.

إذًا أين الحل؟ في هذا السياق يقترح كين جينسبرج في كتابه ‎Letting Go With Love and Confidence، أنّ نمدح الطفل على مجهوده، وليس على موهبته.

لنفرض أن ابنتك موهوبة في الرسم.‏ من الطبيعي أن تمدحها على موهبتها،‏ مما يحفِّزها على تنميتها أكثر فأكثر، ولكن الحذر هنا أن تمدح الموهبة فتشعر ابنتك أن في وسعها تنمية المقدرات التي تملكها بالفطرة فقط؛ مما يعني أن تتفادى التحديات الجديدة خوفًا من الفشل.‏ وتقول في نفسها:‏ «هذه المسألة تتطلَّب جهدًا كبيرًا،‏ من المستحيل أن أنجزها!‏ فلمَ المحاولة أصلًا؟‏».‏

إنّ الأفضل وفق جينسبرج أن تمدح الطفل على مجهوده، مثابرته، جلده، لا موهبته. إنّ مدح الشخص على جهده ومثابرته،‏ لا على موهبته فحسب،‏ سيعلِّمه درسا مهمًّا في الحياة، وهو أنّ اكتساب المهارات يستلزم الجهد والصبر، والأهم زرع فكرة عدم الخوف من الفشل، وبالعكس اعتباره فرصة للتعلم.‏

إذًا بخاتمة عملية، بدل القول لطفل موهوب بالكتابة: «ياللهول إنّك موهوب بالفطرة، ما أروع تلك الكلمات التي تختارها»، يمكن القول: «واضح أنّك بذلت جهدًا وتعبت في كتابة الموضوع، وكلما بذلت جهدًا أكبر ستكتب موضوعًا مميزًا أكثر».

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظة © جريدة لبنانون توداي 2017