باسيل وحرب المئة يوم

 علاء الخوري

ليس سهلاً على رئيس تكتل لبنان القوي وزير الخارجية جبران باسيل، تحديد مهل زمنية “للإنتاج الحكومي” في وقت تُسلط الاضواء على الرجل ويثير حراكه جملة ردود فعل بعضها ايجابي وبعضها الآخر سلبي حيث يُرشق الرجل بألاف التهم التي جعلته من حيث لا يدري “الحديث العابر للحدود”.

من الاقربين قبل الخصوم يأتيه الانتقاد والهجوم، ولكن باسيل يُصر على موقفه وخطوته متسلحا بموقفين: الاول رئيس الجمهورية الذي “زكاه” على الدم العائلي ورأى فيه أنه الرجل المناسب لكل الملفات التي يوكله لتنفيذها حتى أن باسيل قال في تصريح عندما سئل عن تطابق رأيه مع رئيس الجمهورية بأنه 99% اي أن الرئيس والوزير في رؤية واحدة لمقاربة الملفات.


أما الموقف الثاني فمن حزب الله الذي يعمل مع باسيل بعيدا عما يُحكى بالأعلام، وله ملء الثقة بوزير الخارجية الذي حرص على ابقاء صورة حزب الله على المنابر الدولية ناصعة و “مقاومة” ولم يقتنع لا بالموقف الاميركي أو الاوروبي الداعي الى “فك الارتباط” مع حزب الله، بل على العكس زاده الامر اصراراً، وعلى المستوى الاستراتيجي تحديدا يعرف باسيل ان الحزب أسس مشروعه لسنوات ان لم نقل لعقود، طالما أن “دول المحور” قوية.

وبالموقفين “يناور” باسيل و “يمد ويجزر” في السياسة، يرفع السقف أحيانا ويعدله أحيانا أخرى، وبعيدا عن التحليلات وأخبار الاعلام، يعلم باسيل أن الخصم لن يستطيع في هذه المرحلة “القفز” فوق السقف المرسوم في التسوية الرئاسية، لأنها جاءت بتوافق الخارج قبل الداخل، ووفق هذه القاعدة يعمل رئيس التكتل ويُحدد سقوفه الزمنية لحكومة الحريري الثانية في هذا العهد.

في مؤتمره الصحافي خرج باسيل ليعلن الانتصار والتمدد أيضا خارقاً حدود التكتلات الاخرى قاطعا “سور” معراب عند الحديث عن وجود وزير في تكتل الجمهورية القوية مشترك مع تكتل لبنان القوي، وهذه رسالة أراد أن يسمعها لرئيس حزب القوات الدكتور سمير جعجع الذي قدم التنازلات الكثيرة في هذه الحكومة لصالح “باسيل”.

ولم يسأل عن اللقاء التشاوري وتحدث مع “حسن مراد” كأنه من التيار وذهب بعيدا الى حدود القول بأن حقيبة الرجل هي تمهيد لتسلمه بعدها “الخارجية” وهذه رسالة ربما وصلت الى بعض اعضاء اللقاء وتحديدا النائب فيصل كرامي ومن خلفه الوزير السابق سليمان فرنجية، توحي بأن باسيل مستعد ل “تعويم” مراد و “فرط عقد” اللقاء التشاوري، خصوصا وأن الجميع يعلم أن توزير مراد كان مطلب باسيل منذ اليوم الاول، نظرا للعلاقة القوية التي تربط الوزيرين.

ويأتي كلام رئيس الجمهورية عن حكومة العهد الاولى التي انطلقت اليوم، ليعزز موقف باسيل حول وضع وزرائها، فالاتفاق على وضع استقالات وزراء التكتل بيد الرئيس جاء بعد تجربة وزراء “الرئيس” في الحكومة السابقة وتحديدا حقيبة الدفاع حيث أراد باسيل بعد أشهر على تشكيل الحكومة اقالة الوزير يعقوب الصراف من منصبه على خلفية أدائه السيء في الوزارة، والمجاهرة بأنه ابن المقاومة قبل أن يكون عضوا في التيار، ولكنه ترك الامور تسير لأن الحكومة الاولى كان من المتفق عليه أن تكون حكومة انتقالية.

أما اليوم فيخضع باسيل لامتحان كبير على قدر الثقة التي منحه اياها رئيس الجمهورية في اختيار وزراء التكتل، فأن يتم تعيين وزيرة دون الاربعين من عمرها في وزارة الطاقة والمياه وتتسلم ملفات “متفجرة” كالكهرباء، فهذا الامر بحد ذاته “مجازفة باسيلية” أمام الرأي العام، وأن تختار حقائب كالبيئة وشؤون النازحين في هذا التوقيت فهو أيضا بمثابة انتحار سياسي في بلد “6ب6” مكرر، ورغم كل هذه المجازفة يأتي الوزير باسيل ليضع مهلة المئة يوم أمام الوزراء لينجزوا ملفاتهم من أزمة الكهرباء الى النفايات وقنبلة النازحين وغيرها… وضع باسيل الجميع أمام الامتحان الأصعب، الوزير “الرئاسي” لم يتكلم هنا لـ”تعبئة الوقت”، بل انطلاقاً من قناعة راسخة لديه بأن الرأي العام اليوم شبع الكلام ويريد أن يلتمس افعالا مشابهة لقرار وزارة الاقتصاد بتفكيك مافيا المولدات، وهذا الامر يزيد من رصيده الرئاسي.

انها حرب “المئة يوم” أراد باسيل أن يخوضها متحديا “نفسه”، ربما يفشل ولهذا الامر تداعيات على مستقبله السياسي والحزبي وعلى العهد الرئاسي، وربما ينجح ولهذا أيضا تداعيات كبيرة لأن هذه الخطوة ستكون مكلفة جدا على البنية السياسية اللبنانية، فمن الصعب أن “يربح” باسيل من دون أن يُسقط نظاما يحيا في أروقة الدولة ومؤسساتها منذ عقود، وهو قائم على الفساد والهدر والسرقة، فهل سيتجرأ باسيل ويُسمي الاشياء بأسمائها ولو تجاوز الخطوط الحمر المتفق عليها، أم أنه سيتراجع خطوتين الى الوراء لأن الظرف السياسي لا يسمح بمكاشفة الرأي العام والقيام بانقلاب حقيقي على قوى الفساد المستشري في البلد؟.

مئة يوم تفصلنا عن الحكم على الوزير جبران باسيل.

أضف تعليق

اترك رد

جميع الحقوق محفوظة © جريدة لبنانون توداي 2017

تصميم وبرمجة قمة سوفت

%d مدونون معجبون بهذه: