بعيداً من مؤتمرات الكلام الممجوج: هذا هو المشروع السياسي لمسيحيي لبنان

كلما دخلتَ في نقاش سياسي مع أحد الناس، خلص البعض إلى السؤال عن المشروع السياسي للمسيحيين في لبنان، مقارنين بينهم وبين السنة والشيعة والدروز، ومعتبرين أن لكل من المذاهب الثلاثة مشروعه الخاص، الذي لا يقتصر في غالب الأحيان على الداخل اللبناني، بل له امتداداته الخارجية أيضاً.

يقول هذا البعض إن المشروع السياسي السني كان في الأساس ضمَّ لبنان إلى كيان عربي أكبر. تلك كانت النية مع انتهاء الحرب العالمية الأولى، وسط التوق إلى الاندماج في مملكة فيصل، وهكذا ظل المبتغى مع ظهور جمال عبد الناصر، حيث برز شعور قومي عربي ينادي بالأمة الواحدة من المحيط إلى الخليج. أما اليوم، وفي ظل اندثار العروبة بمعناها العملي، فتحول مشروع السنة نحو الانتماء الإسلامي، حيث أن الغالبية، وإن كانت تدين الإرهاب والإجرام، لا بد أن تدغدغ مشاعرها الدعوات إلى إحياء الخلافة الإسلامية، ولو أنها غير قابلة للتحقق اليوم.

وفي سياق الحديث، يرى هذا البعض أيضاً، أن الإمام موسى الصدر، طرح أول مشروع سياسي شيعي فعلي في لبنان، الذي كان الشيعة فيه مهمشين، خاضعين لزعامات إقطاعية، قبل أن يتحولوا نتيجة الظروف إلى الانضواء في الأحزاب القومية واليسارية، ثم في حركة المحرومين. واستكمل المشروع الشيعي المذكور في ضوء نشوء الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي دعمت المقاومة اللبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي، ليتبلور مشروع قائم على بناء كيان عسكري قوي، وعلى علاقات متينة مع شيعة المنطقة، ومحورهم الدولة الشيعية الإقليمية الكبرى، أي إيران.

وبالنسبة إلى الدروز، يعتبر هذا البعض أن كل همهم حفظ كيانهم الصغير من حيث العدد، لذلك تراهم متقلبين في السياسة: تارة يوالون الشيعة، وطوراً يناصرون السنة، تبعاً لتبدل قراءة موازين القوى لبنانياً. أما في المنطقة، فالتواصل مقطوع مع دروز فلسطين المحتلة، ومحدود في السياسة مع دروز سوريا، بحكم الوضع السياسي والأمني القائم هناك.

غير أن هذا البعض الذي يهوى جلد الذات، يصمت عند الكلام على المشروع السياسي للمسيحيين. هنا يسود التخبط ويتربع الضياع على عرش النقاش. المسيحيون “مش شاطرين إلا على بعض”. المسيحيون لا يواجهون. الإكليروس فاسد. السياسيون لا يتفقون… قد يكون بعض هذه العبارات صحيحاً جراء ممارسات سياسية خاطئة على مدى عقود، غير أن منطلقها خاطئ بالكامل، وهو لا يستند إلا إلى العواطف وردود الفعل الغريزية التي لا تعبر عن واقع الماضي والحاضر. أما الجواب عن ماهية المشروع، فيبنى انطلاقاً من الآتي:

أولاً: من الطبيعي أن يكون المسيحيون في لبنان على تعاطف مع مسيحيي الشرق الأوسط، وأن يهتموا لقضاياهم وأولها حقهم في العيش بحرية، وممارسة حياتهم الإيمانية وطقوسهم كما يشاؤون، وأن تحترم مكانتهم في الشأن العام، فيتمثلون في المؤسسات السياسية، ويشاركون في إدارة أوطانهم بالتساوي مع الجميع. وما يتمناه مسيحيو لبنان لمسيحيي المنطقة، أرادوه لأنفسه منذ قرون. ومن هذا المنطلق، إن المشروع السياسي التاريخي للمسيحيين في لبنان، علمياً وموضوعياً، كان الانتماء إلى كيان مستقل يكون فيه المسيحيون مواطنين كاملين، أسوة بالآخرين، يقيهم من الذمية السياسية، ومن كل أشكال الاضطهاد.

ثانياً: إن مشروع الكيان المستقل تجسد في 1 أيلول 1920 من خلال إنشاء دولة لبنان الكبير، بعد طول أخذ ورد، كانت لولب الحركة فيه الكنيسة المارونية التي استثمرت علاقاتها التاريخية التي كانت قائمة آنذاك مع فرنسا لتحويل الحلم إلى واقع.

ثالثاً: صحيح أن الإدارة المسيحية للكيان الوليد والنامي اعترتها شوائب كثيرة، لكن الأصح أن مهما كانت الأخطاء، وبغض النظر عن الظروف الإقليمية المحيطة (زوال الانتداب- نشوء دولة إسرائيل- الحروب العربية مع إسرائيل- تشريد الفلسطينيين إلى لبنان وسواه- ظهور القومية العربية…) فقد صمد هذا الكيان أربعة وتسعين عاماً لغاية الآن، وهو أكبر كيان معمر في هذه المنطقة من العالم التي يسميها البعض بلاد الشام.

بناء على ما تقدم، يبدو ساذجاً الكلام على غياب المشروع السياسي للمسيحيين. غير أن الكلام على تقصير تاريخي في العمل لتثبيت الكيان وتعزيز الانتماء إليه، وعن إحجام حالي عن بناء مؤسسات حزبية حقيقية تشكل أدوات ضغط في المجتمع، وعن تلكؤ في تصويب مسار المؤسسات الكنسية في العمل الوطني، وعن غياب الرؤية الموحدة نحو التطورات المتلاحقة… كلها أمور صحيحة، ينبغي التطرق إليها ملفاً بملف، لقراءاتها بهدوء، تمهيداً لطرح الحلول المنطقية والعملية، بعيداً من النظريات السميكة ومؤتمرات الكلام الممجوج وتكاليف السفر الباهظة إلى واشنطن أو سواها.

أضف تعليق

اترك رد

جميع الحقوق محفوظة © جريدة لبنانون توداي 2017

تصميم وبرمجة قمة سوفت

%d مدونون معجبون بهذه: