“بيروت”… كي لا نقع مجدّدًا!

شاهدتُ بالأمس فيلم “بيروت”(Beirut) من بطولة كلّ من “جون هام” و”روزامند بايك”، الذي تمّ إطلاقه مؤخّرًا حول العالم، وتدور أحداثه في بيروت (تمّ تصوير كامل مقاطع الفيلم في المغرب)، حيث يتمّ استدعاء دبلوماسي أميركي سابق إلى العاصمة اللبنانيّة في أوجّ الحرب الأهليّة، في إطار مسعى للإفراج عن زميلٍ سابق له تمّ خطفه من قِبل مجموعة مسلّحة.

الجملة الدعائيّة للفيلم وهي “بيروت، باريس الشرق الأوسط، تحترق”، كادت تستفزّني، لولا معرفتي (ولو القصيرة) أنّ في هذا التوصيف حقيقة مرّة عاشها من يكبرني سنًا أيّام الحرب الأهليّة التي أتذكّر منها القليل كوني كنتُ في السادسة من عمري يوم وضعَت الحرب أوزارها. غير أنّ الجملة ذاتها، ومشاهد الفيلم بأكمله، نجحت في استفزاز زوجتي، التي وُلدَت بعذ نهاية الحرب وعاشت الجزء الأكبر من عمرها في بلغاريا، والتي ما فتِئت تنتقد الفيلم في كلّ جوانبه، مردّدةً “هذه ليست بيروت، لماذا يصوّرونها بهذه الطريقة البشعة؟ّ!”.
لكن، وللأسف الشديد، هي مخطئة… ما رأيناه في مقاطع الفيلم المختلفة هي بالفعل “بيروت” الثمانينات: بيروت الدّمار والنزاع وخطوط التّماس والقنص والقتل والتفجيرات. هذا ما يوثّقه التاريخ الأليم لبلدنا، التي عصفَت به حربٌ جارفة، أرادها له الكبار وكنّا، عن دراية أو بدون قصد، أدواتها وآليّات تنفيذها.
تشاهد “بيروت” وتختلجكَ مشاعر الغضب والحسرة والاستياء، عندما ترى في مشاهد الفيلم الأولى لقطات حقيقيّة لبيروت المزدهرة في العام 1972، وأخرى ما بعد بداية الحرب الأهليّة التي ارتضينا أن نكون أفرقاءها، ليلحظَ المشاهد كيف حوّلنا، بأيدينا وإرادتنا، ما كان يُعرفُ سابقًا ب”باريس الشرق الأوسط” و”سويسرا الشرق”، إلى كومة ركام وأنقاض تُستحضَر إلى ذاكرتنا الجماعيّة حتى يومنا هذا، كلّما نسمع عبارة “الغربيّة والشرقيّة”.
كم كنّا سنكون فخورين ب”جوهرتنا” لو لم ندمّرها ونحوّلها إلى مادّةٍ دسمة تغذّي مخيلّة صانعي الأفلام في هوليوود.
هي بيروت اليوم التي نعتزّ بها في كلّ مناسبة نستضيف فيها أجانب يتغنّون بجمالها، معلّقين بالقول “هذه ليست بيروت التي يتكلّمون عنها في الخارج، بيروت التي عاصرت الحروب والحصارات والاجتياحات”. هي بيروت الجميلة اليوم، بهندستها وطرقاتها ومطاعمها وحاناتها وناسها وتاريخها وثقافتها وكنائسها وجوامعها، فكيف كانت ستكون لو لم ندمّرها في تلك الحرب المشؤومة؟

كانت لتكون بيروت التطوّر والازدهار والتقدّم والروعة، وموطئ قدم المستثمرين والسيّاح، ومركز الأعمال ورجالها والشركات متعدّدة الجنسيّات — التي ما لبثت تقفل مكاتبها في لبنان لتنتقل إلى بلدان أكثر أمانًا واستقرارًا حيث الاقتصادات القويّة والبيئة الراعية للاستثمار والضامنة لمستقبل الأعمال والنجاحات.
كانت لتكون بيروت التكنولوجيا والتقدّم العلمي والريادة في كافّة المجالات، بيروت البنية التحتيّة المتقدّمة من حيث الطرقات والتخطيط المُدني والإنترنت السريع والكهرباء، بيروت الطاقّة الشبابيّة وفرص العمل والاستدامة الاقتصاديّة والاجتماعيّة والمعيشيّة، بيروت الثقافة والفنّ والرياضة، والمحور المالي والاقتصادي الذي يحرّك عجلة التنمية والحوكمة الإقليميّة.
فوّتْنا العديد من الفرص على بلدنا وشعبنا والأجيال التي مضَت كما تلك التي تنظر بعين الأمل إلى لبنان المستقبل. قد يكون فاتنا القطار، ونحن نلملم جراح ما خلّفته هذه الحرب الآثمة التي قضَت، وللأسف، على آمال الحاضر والمستقبل باقتصادٍ قويّ وواعد، وببلدٍ كنّا لنفتخر به كلّنا وبدون استثناء.
تحت شعاراتٍ، مغلوطة بطبيعة الحال، آثرنا أن نقتل بعضنا البعض ونشرّد أهلنا وننفّذ أجندات الخارج، بدون أدنى تفكير وتأمُّل بكيفية انعكاس هكذا شعارات وقرارات على بلدنا وشعبنا على المدى الطويل.
تُشاهد “بيروت” ولا يمكنكَ إلا أن تشعر بالخوف والرهبة لدى رؤية مشاهد الحرب والقتل والدمار، التي من الممكن أن تتكرّر مجدّدًا إذا ما قرّر “زعماؤنا” جرّنا إلى هكذا حربٍ من جديد، غير آبهين بنتائجها الوخيمة على البلد ككلّ، كما لم يأبهوا قطّ من قبل.
ها هم اللبنانيّون في الخارج يُبدعون، يَلمعون، يرفعون إسم بلدنا كما هويّتنا عاليًا، بينما نحن وفي البلد الأمّ نختلف على “جنس الملائكة”، غير قادرين حتّى على الاتفاق المبدأي فيما بيننا لتشكيل حكومة تنهض (أو تحاول على الأقلّ) بما بقيَ من هذا البلد من إمكانيّات خلاصه.
كيفَ تفسّر للزائر الأوروبي والأميركي والآسيوي والأفريقي أنّ معرفته بلبنانيّيِن ناجحين في الخارج مردّه “هجرة الأدمغة” التي لا نلتفت إليها حتّى، فكيف بالتالي محاولة “سدّ” هكذا “منفذ” للمواهب والأدمغة التي لا ترى طائلًا في الاستثمار والابتكار في ظلّ دولةٍ لا تعترف بأفضل ما عندها، لا بل تضحّي بأبنائها وبناتها عبر تهجيرهم(هنّ)، ولو بطريقة غير مباشرة، إلى بلاد الاغتراب ل”يدبّروا حالهم”، غير آبهين بالمردود الاقتصادي المستدام الذي يحمله شباب لبنان وشابّاته على بلدهم.
من هنا، أختم بالجملة المأثورة من أغنية “ماجدة الرومي” الشهيرة: “نعترف أمام الله الواحد نعترفُ، أنّا كنّا منكِ نغار، وكان جمالكِ يؤذينا، نعترفُ”.

أضف تعليق

اترك رد

جميع الحقوق محفوظة © جريدة لبنانون توداي 2017

تصميم وبرمجة قمة سوفت

%d مدونون معجبون بهذه: