“خيل لهم انه داعش” حقيقة ما جرى في دار الافتاء

إنّها الساعة الحادية عشرة والنصف في دار الفتوى. النصاب مكتمل لانتخاب مفتٍ جديد للجمهوريّة في القاعة الكبيرة، تماماً كالنصاب المكتمل في الغرفة المجاورة، حيث يجلس الصحافيون بالعشرات. ولكن الفرق هنا، أن لا حريّة للزملاء بالدخول والخروج من الغرفة إلا بعد سؤال ولـ«حاجة ملحّة».

 

الجلسة يجب أن تكون سريّة، هذا مفهوم. ولكن ما هو ليس مفهوماً دخول رجل أمن إلى غرفة الصحافيين، للتعدّي على المصوّر الزميل في صحيفة «دايلي ستار» حسن شعبان، فقط لأنه اعترض على طريقة منعه من الخروج. ببساطة، فإن رجل الأمن الذي «يحرس» مقبض باب الغرفة المقفلة، يؤمن بنظريّة «نفّذ ولا تعترض».

انتهت المشكلة مع شعبان، لتعود وتتجدّد بعد حوالي الساعة. هذه المرة يقف الزملاء المصوّرون على باب قاعة الانتخابات، بعد أن «أُذِنَ» لهم بالتقاط صورة للمفتي الجديد. سرية الحرس الحكومي لم يعجبها الموضوع، فـ«الأمر لنا»، وسلامة الطبقة السياسية المجتمعة في الداخل، أهمّ من كلّ شيء. وانطلاقاً من هذا المعيار، ارتأى عناصر الحرس الحكومي أن يدفعوا الزملاء المصورين، لمنعهم من الدخول، فتعرّضوا لحسن شعبان، والمصوّر في جريدة «المستقبل» حسام شبارو بالضرب، ثم نال عدد من المصوّرين «نصيبهم».

كان من الطبيعي أن يمسك الزميل في موقع «العربي الجديد» عبد الرحمن عرابي كاميرته لالتقاط صورة توثّق التدافع والتعرّض للمصوّرين. ولكن مرّة جديدة لم يعجب الحرس الحكومي أن يقوم عبد الرحمن بعمله. كيف يتجرأ صحافي ومصوّر على رفع كاميرته لالتقاط صورة؟ كيف يتجرأ أن يرفض إعطاءهم الكاميرا؟ بالكاد أنهى عبد الرحمن عبارة: «لماذا أعطيكم الكاميرا؟»، حتى كان أربعة من عناصر «قوى الأمن الواقع» قد انقضوا عليه. سحبوه إلى الخارج وانهالوا عليه بالضرب. عبد الرحمن مرمياً على الأرض، وجهه إلى الإسفلت، ورجل أحد الأمنيين على ظهره، فيما الآخرون تكفّلوا بتوجيه الشتائم والكلمات النابية له، أو التفرّج على مشهد الضرب.

ردّ الزملاء خلدون ونافذ قوّاص وبلال الملا رجال الأمن عن عبد الرحمن. قام، نفض الغبار العالق على ثيابه الممزقّة، وتجرأ من جديد على التعبير عن استنكاره للهمجية التي ووجه بها، غير أن بعض الزملاء سحبوه إلى الداخل. في الداخل هرج ومرج، وقوى الأمن تكمل القيام بـ«واجباتها» مع الزملاء.

في غفلة عن الجميع، استطاع أحد عناصر قوى الأمن سحب عبد الرحمن من جديد إلى بابٍ خلفي. يظهر رجل أمن ممسكاً بالصحافي، ويجرّه من رأسه عبر الدرج إلى قبو دار الفتوى، كي يتسنّى له ضربه «بشكل أفضل»، لكنه لم يوفّق.

عبد الرحمن يجلس على الدرج. ثيابه ممزّقة. الدمّ يسيل من فمه ورأسه ويديه. لا يعرف أين هو بالضبط، ولماذا كلّ هذه الضجّة حوله. ينظر أمامه فيرى رجالاً ضخاماً بربطات عنق، وياقات بيضاء، يوزّعون نظراتهم القاسية على الجميع. يرى قوات النخبة التي اختارتها السرايا الحكومية لحماية المواطنين. لم يدرك عبد الرحمن أنّ هؤلاء الذين كانوا من المفترض عليهم حمايته، انهالوا عليه ضرباً فقط لأنه التقط صورة، وكأنّهم يقومون بأيّ عمل ميكانيكي لا يحتاج جهداً يذكر. لم يدرك أن أحداً من «رجال الدولة»، الجالسين في الغرفة المجاورة، لن يكلّف نفسه عناء التدخّل لمعرفة ماذا حصل؟

من قال إن رؤساء الحكومات الجالسين في دار الفتوى تكبّدوا عناء الخروج لمعرفة ماذا حلّ بالصحافيين الحاضرين لنقل أخبارهم؟ من قال إنّ «قوى الأمر» اعتذرت لأنّها كانت تحاول تطبيق «النظام» على صحافي يحمل كاميرا؟ من قال إن الذين ضربوا عبد الرحمن، ويظهرون في الصور، قد استقالوا أو أقيلوا من مناصبهم؟ من قال إنّ المفتي الجديد الذي كان يتكلّم عن «اللاعنف» في الإسلام، استنكر ما حصل؟ من قال إن الصحافيين انتفضوا وقرّروا مقاطعة السياسيين الذين كانوا موجودين في الداخل؟

من قال كلّ هذا الكلام؟ فتلك أمور لا تحصل في بلادنا، حيث لا كلمة تعلو فوق صوت «الطلقات الناريّة». بكلّ بساطة، أكمل المفتي الجديد كلامه، وأبقي رؤساء الحكومات والوزراء والنواب والقضاة الشرعيون في أماكنهم.
ثم أكملوا طريقهم لتناول الغداء في «بيت الوسط»، وكأنّه لا صحافي مضروبا يرقد في المستشفى. وقوى الأمن أيضاً لم تعتذر. كيف تعتذر تلك العناصر المهابة وذات العضلات المفتولة من صحافيين ضربوا أثناء أداء عملهم؟ على العكس تماماً، أصدرت قوى الأمن بياناً تتحدّث فيه عن «إصابة صحافي وبعض العسكريين نتيجة مشادة كلامية وتدافع في دار الفتوى».

ولكن لا بأس، لا تيأسوا. صار لنا مفت. وقوى الأمن فتحت تحقيقاً بالحادث بالرغم من وجود عشرات الصور التي تظهر هويّة المعتدين. كما أن رئيس الحكومة تمّام سلام استنكر ما حصل من دون أن يأتي على ذكر حراس «سراياه».

واطمئنوا أيضاً وأيضاً، إذ أن الصحافيين نفّذوا اعتصاماً عند باب دار الفتوى ثم تفرّقوا. كذلك تداعى الصحافيون إلى وقفة تضامنية عند نقابة الصحافة، ولكن لم يصل منهم إلا حوالي العشرين زميلاً ولم تفتح «النقابة» أبوابها، فاليوم عطلة والنقيب لا يستطيع قطع عطلته.

جميعنا أكملنا يومنا بطريقة عاديّة، جميعنا.. فيما والدة عبد الرحمن تطمئن: «يا بنيّ ماذا حدث!»

 

المصدر : السفير

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظة © جريدة لبنانون توداي 2017