دريان: تأليف الحكومة حاجة ماسة وعلى الجميع التواضع في مطالبهم

افتتح مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان مسجد كترمايا الكبير التابع لأوقاف جبل لبنان بعد إعادة ترميمه وتوسعته، في حضور ممثل رئيس “اللقاء الديمقراطي” النائب تيمور جنبلاط النائب بلال عبد الله، النائب محمد الحجار، مفتي جبل لبنان الشيخ محمد علي الجوزو، رئيس المحاكم الشرعية السنية في لبنان الشيخ محمد عساف، ممثل الامين العام لتيار “المستقبل” أحمد الحريري وليد سرحال وممثلين عن الجماعة الاسلامية والعديد من الشخصيات السياسية والاجتماعية والعسكرية وأعضاء المجلس الشرعي ومخاتير ورؤساء بلديات.

استهل الحفل بتلاوة آيات من الذكر الحكيم، وألقى رئيس لجنة مسجد كترمايا الشيخ احمد علاء الدين كلمة وصف فيها المفتي دريان “برجل الاعتدال والحكمة”، وقدم له درعا تكريمية عربون محبة وتقدير، وتحدث المفتي الجوزو عن “رسالة المسجد وأهميتها خاصة في بناء الإنسان المسلم على قيم الأخلاق الرفيعة التي جاء بها الإسلام”، مؤكدا “ان لبنان اليوم بحاجة الى الإنقاذ والى وضع القيم الأخلاقية على قمة العمل السياسي حتى ينجح هذا العمل”.

وألقى المفتي دريان كلمة قال فيها: “المساجد بيوت الله، لها في الإسلام مكانة رفيعة، وقدسية عالية، أضاف الله المساجد إلى نفسه إضافة تشريف وتعظيم فقال عز وجل: “وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا”، وأذن الله برفعها وعمارتها، وأمر ببنائها وصيانتها، فقال تعالى: “في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار، ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب”. وقال تعالى: “إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين”.

أضاف: “هي أحب البقاع وأطهر الأصقاع، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: (أحب البلاد إلى الله تعالى مساجدها)، ولا أدل على تلك الأهمية من فعله صلوات الله وسلامه عليه، حين قدم مهاجرا، ووصل إلى المدينة النبوية، فلم تطأ قدمه بيت أحد من أصحابه رضي الله عنهم حتى اطمأن إلى تحديد مكان المسجد النبوي، حيث أنيخت ناقته بأمر ربها، فكان أول عمل باشره بناء المسجد، ليعلن للأمة وليعلم الأجيال أن مرتكزنا القوي هو المسجد، منه تنطلق الدعوة، وفي رحابه تتربى الأرواح الزكية ، وبنداءاته تهتدي القلوب التقية. في المسجد يجد المؤمن راحته وأنسه، حيث يناجي ربه ومولاه ، ويتوجه إلى بارئه بالركوع والسجود، والتلاوة والدعاء. فقد أخبرنا النبي صلوات الله وسلامه عليه عن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وذكر منهم : (ورجل قلبه معلق بالمساجد)، فكلما نودي للصلاة سارع المؤمن بشوق، وإذا قضى صلاته ظل قلبه معلقا فيه، قلوب ملأها الإيمان والتقى، فسارعت إلى الخيرات ومحو الخطيئات ورفع الدرجات، سارعت إلى النور التام، فانتظرت الصلاة بعد الصلاة، فلم تزل الملائكة تصلي على أصحابها حتى ينصرفوا، قلوب أبت سبيل المنافقين الذين لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى”.

وأردف: “المساجد هي بيوت الله في الأرض وكفى، أطهر الساحات وأنقى البقاع، فيها تتنزل الرحمات، وتهبط الملائكة، وتحل السكينة قال صلوات الله وسلامه عليه: (ما اجتمع قوم فى بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده)، وفيها تنتشر الصلة والمودة والرحمة، ويتعارف المسلمون، ويتآلفون ويتعاونون، ويتزاورون ويتراحمون، يفقد المريض فيزار، والمقصر فينصح ، تربت في أحضانه أجيال، وتعلمت فيه توحيد الله، ونشأت على إخلاص العبادة لله، محبة وإنابة ورغبة ورهبة، وإخلاصا وتوكلا، وذلا وتعبدا، بناؤها وعمارتها وصيانتها من أعظم القرب لمن أخلص لله واحتسب، فعن عثمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: (من بنى لله مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتا في الجنة). وتوعد الله عز وجل من يمنع من الذكر فيها أو تسبب في خرابها بالعذاب العظيم، فقال تعالى: “ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم”.

وتابع دريان: “زيارة كترمايا، وزيارتكم هي أحب الزيارات، لأن المناسبة هي سيدة المناسبات: (افتتاح مسجد كترمايا الكبير – التابع لأوقاف جبل لبنان) بعد ترميمه وتوسعته.
لقد أتينا اليوم إلى كترمايا لعمل كله خير في المبدأ والعاقبة، هو افتتاح مسجد كترمايا بعد ترميمه وتوسعته، والذي هو بيت من بيوت الله، تجتمعون فيه لذكر الله، في الصلوات الجامعة، وصلوات الجمعة، والمناسبات والأعياد. وقد قال سبحانه وتعالى في آيات سورة النور التي تلوتها عليكم، إن أجر هؤلاء الذين يعمرون المساجد، ويعمرونها بذكر الله، وإقام الصلاة، رجاء وخوفا، يجزيهم الله أحسن الجزاء، ويزيدهم من فضله، ومن ضمن الفضل الرزق بدون حساب.
فبيوت الله سبحانه تقام للتسبيح بالغدو والآصال، وذكر الله يقتضي أداء الفضائل الأخرى: فالصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر، وفي آية المساجد يقترن ذكر الله بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ففي أداء الصلاة أداء لحق الله تعالى، وفي إيتاء الزكاة أداء أيضا لحق العباد، وبذلك تتحقق التجارة، ويتحقق البيع الحق، الذي لا يضاهيه أي اتجار دنيوي، لأن القائم على حدود الله، والمنصرف عن اللهو وعن التجارة، إنما يخشى يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار، ويلتمس رضا الله ورضوانه، ويلتمس أجره وثوابه، ويحتسب عمله كله عند الله عز وجل، وهكذا يجتمع الخير كله في بناء وعمارة المساجد ومنها مسجدكم هذا: ذكر الله وأداء عبادة الصلاة وأداء عبادة الزكاة، فلماذا ربط الله عز وجل الزكاة والصلاة بالمساجد؟ لأنهما عبادتان، والعبادات لا تصح إن لم تكن خالصة لوجهه جل وعلا، ولا مكان أفضل من المسجد ليكون العمل كله احتسابا ويكون كل الأصل”.

ولفت الى “ان المساجد في الإسلام، هي الصروح الدينية التي تبنى على قواعد الإسلام والإيمان، وتنمو فيها مفاهيم الطهارة والنقاوة النفسية والقلبية، وتنتفي خصال الحقد المذمومة، والحسد والكراهية، بل تنبت فيها قيم المحبة والأخوة والتضامن، والتعاون على فعل الخير ونشر العلم، وحسن التعامل مع الآخر.
أنتم يا أهل الإقليم، عنوان كبير في الاعتدال، والدعوة إلى المحبة والعيش المشترك، والانفتاح والتواصل. وأنتم في مقدمة الساعين إلى بناء الدولة القوية والعادلة، وقد برهنتم كبقية المسلمين في لبنان، أنه ليس لنا مشروع خارج إطار الدولة، فمشروعنا ومشروعكم بناء الدولة ومؤسساتها. إن أمامنا اليوم فرصة ثمينة، تملي علينا إعادة بناء وطننا، وتمتين وحدتنا من خلال تعاوننا مع أشقائنا العرب، الذين ينتظرون منا تشكيل حكومة وفاق وتجانس وطني، لأن البلد لا يحتمل مزيدا من المنازعات السياسية والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والحياتية، بل يتطلب الأمر من الجميع مرونة لتسهيل عملية تأليف الحكومة العتيدة، التي هي حاجة وطنية ماسة، يستفيد منها الجميع، مما يحتم على القوى السياسية والتكتلات النيابية، أن تتواضع في مطالبها، لدعم الجهود الكبيرة، والمبادرات الطيبة التي يقوم بها الرئيس المكلف على أسس السياسة الحكيمة وقواعدها، لولادة الحكومة التي هي السبيل الوحيد للحد من الاحتقان السياسي والاقتصادي والمعيشي في البلاد”.

وختم دريان: “لا يسعنا في هذه المناسبة الكريمة، إلا أن ننوه بهذا العمل المبارك، ونشكر كل من أسهم في إعادة تأهيل وتوسعة هذا المسجد، ليكون عامرا بأهل الإيمان، الذين يسعون لكل عمل خير. فهنيئا لكم بمسجد كترمايا بعد ترميمه وتوسعته، ووفقكم الله سبحانه وتعالى إلى كل خير”.

أضف تعليق

اترك رد

جميع الحقوق محفوظة © جريدة لبنانون توداي 2017

تصميم وبرمجة قمة سوفت

%d مدونون معجبون بهذه: