رحلات فى عقل اسرائيل..( 2) بقلم الباحث و المؤرخ عمرو سمبل

منذ عام صدر كتاب هام بعنوان الملاك..وفيه يصف الكاتب الصهيونى يورى بار جوزيف رحلة اشرف
مروان مع المخابرات الإسرائيلية ويصفه بإنه كان الملاك الذى انقذ اسرائيل,,ومنذ ايام قليلة بدأت اسرائيل فى تصوير فيلم مأخوذ عن قصة الكتاب يقوم فيه الممثل الهولندى من اصل تونسى مروان كنزارى بدور اشرف مروان كما يقوم الممثل الإسرائيلى ساسون جاباى بدور انور السادات…والحقيقة ان أشرف مروان يظل حتى اليوم لغزا ليس من المستحيل او الصعب تفكيكه او حله عندما يحين الوقت المناسب لذلك..ولكن يستدعى ذلك ان نتذكر جاسوسا هاما من النوع الرفيع وهو كريم ثابت …
كانت الحركة الصهيونية منذ نشأتها قد وضعت عينها على مصر..فهى الدولة العربية الأقوى صاحبة التاريخ الطويل والدولة الوحيدة فى المنطقة القادرة على تغيير دفة التاريخ…فعندما بدأت هجرة اليهود نحو فلسطين.تزامن معها تلقائيا هجرة اليهود الى مصر وقد كان ذلك طبقا لخطة موضوعة مسبقا..فالميزة الأولى لأعداء لعرب انهم لا يتحركون عشوائيا..( فعلى سبيل المثال وهنا سنقفز بالتاريخ..عندما انتهت اسرائيل من اتفاقية فض الإشتباك الأولى عام 1974 انشأت مراكز ابحاث للسلام ..لدراسة كل التغييرات الصغيرة والكبيرة التى ستلحق باسرائيل اذا حدث سلام مع مصر على المستوى الإقليمى والأفريقى والدولى قبل توقيع المعاهدة بخمس سنوات)..
نعود الى مصر فى العشرينات والثلاثينيات فنجد ان اليهود الذين تحول غالبيتهم فيما بعد الى صهاينة حقيقيين كانوا قد توغلوا فى المناحى الإجتماعية والثقافية والإقتصادية فى مصر..كل ذلك طبعا تم فى حماية تامة من المستعمر البريطانى حتى ان اليهود انشأوا فرعا للمنظمة الصهيونية فى مصر فى نفس عام توقيع وعد بلفور عام 1917 وكان رئيسها هو ليون كاسترو بل انها بدأت فى إصدرا صحيفة لها بأسم المجلة الصهيونية التى صدرت بالفرنسية , ومع مرو الوقت زادت المنظمات الصهيونية فى مصر وصحفها الناطقة بكل اللغات فى انحاء مصر خاصة القاهرة والإسكندرية التى توجد بها اكبر جاليات يهودية فى مصروفى عام 1935 تم انشاء مركز جديد للصهيونية فى مصر وهو إتحاد الشبيبة الإسرائيلية الذى اعلن ان احد مبادىء انشاؤه هى العمل على بث الروح الصهيونية وتنبيه ابناء الطائفة الإسرائيلية الى واجباتهم تجاه فلسطين وبدأ فى جمع التبرعات لإنشاء مستوطنات يهودية فى فلسطين ..وقد ازدهرت الصحافة بصفة عامة فى مصر على يد عائلات شامية هاجرت واستقرت فى مصر منها عائلة نمر التى انشأت عام 1889 صحيفة المقطم التابعة للإحتلال البريطانى, ومنها بالذات بدأت الدعاية الصهيونية تخترق مصر حتى انها قالت فى عنوانها عام 1923 ان فلسطين محكوم عليها ان تكون وطنا مشتركا للشعبين الشقيقين العربى واليهودى, وفي منتصف العشرينات من القرن العشرين بدأ صحفى صغير يبزغ نجمه ليلعب دورا هاما وخطيرا فى تاريخ مصر الحديث وهو كريم ثابت..احد ابناء عائلة نمر…بدأ كريم ثابت حياته الصحفية مغمورا عديم القيمة ولكنه كان يعرف جيدا طريقه…تقرب الى الملك فؤاد عن طريق تحقيق صحفى اجراه عن الملك فاروق وكان عمره لم يبلغ سبع سنوات..ثم سافر عام 1931 الى فلسطين وعاد منها بتحقيق عن المستعمرات الصهيونية التى كان عددها قد بلغ 124 مستعمرة صهيونية ليقول حرفيا فى تحقيقه ” أولئك الشبان الوافدون الى فلسطين من بنى اسرائيل يجوبون شوارع القدس فى نشاط وحيوية وكهولهم يبكون مجد بنى اسرائيل عند حائط المبكى أملين ان يتقبل الله صلواتهم لأحياء مجد بنى اسرائيل الغابر,, فالشباب يعملون بهمة ونشاط من أجل تحقيق ما يصلى من أجله الشيوخ فهم بين الأمل والعمل يعيشون” ..ازداد تقرب كريم ثابت الى الملك فاروق خاصة بعد توصية من المستشار الشرفى للسفارة البريطانية ..حتى أصبح فجاة عام 1942 هو المستشار الصحفى للملك فاروق…وتطور امر كريم ثابت الى أن اصبح جاسوسا رسميل للصهيونية فى بلاط ملك مصر, وفى المراسلات التى دارت بينه وبين الياهو ساسون ( الذى اتى الى مصر لأول مرة عام 1946 للعمل كسكرتير للشعبة السياسية للوكالة الصهيونية فى القاهرة ..نعرف ان كريم ثابت قد ادى خدمات جليلية للصهيونية نظير اموال ( قبض مرة 30 الف جنيه مصرى ومرة اخرى 40 الف جنيه مصرى) ..وتوالت المراسلات بينه وبين الياهو ساسون واميل نجار ( وهو يهودى مصرى هاجر الى اسرائيل بعد انشائها وأصبح اول سفير لإسرائيل لدى ايطاليا) وكان الوسيط احيانا فى تلك المراسلات هو المليونير اليهودى سلفاتور شيكوريل صاحب المحلات الشهيرة بإسمه والذى تولى رئاسة اول نادى صهيونى تم انشاؤه فى مصر بأسم نادى مكابى ..وقد كان كريم ثابت ايضا وسيطا سريا بين الصهيونية وبين الملك فاروق حيث عرض على الملك معاهدة عام 1946 اطلقت عليها اسرائيل معاهدة المودة والصداقة وهى التى رفض الملك حتى ان يناقشها برغم انه طبقا للدستور المصرى لا يحق للملك ان يناقش الأمور السياسية لان ذلك كان منوطا برئيس الوزراء والبرلمان…
وكانت خيانة كريم ثابت الكبرى تورطه فى توريد اسلحة ايطالية للجيش المصرى اثناء حرب فلسطين عام 1948 ..وكانت تلك الأسلحة من ( الخردة المخزنة فى المخازن الإيطالية منذ الحرب العالمية الأولى). وبعد الحرب كان هو الذى تلقى رسالة الياهو ساسون عن طريق شيكوريل مرة أخرى بضرورة ان توقف مصر الحملات الصحفية والإذاعية ضد اسرائيل ( وكان كريم ثابت بحكم منصبه مشرفا على الإذاعة المصرية..
ويقول الصحفى العظيم محمود عوض..ان كريم ثابت كان يعطى الحاكم ( الملك فاروق ) اهم سلعه تخصص فيها وهى النفاق..ومصيبة كل حاكم دائما هم المنافقون …وانا شخصيا اعتقد ان كريم ثابت لم يكن فقط جاسوسا لإسرائيل فقط..بل كان ايضا جاسوسا لأمريكا التى كانت قد بدأت تظهر قوتها وسياستها القذرة فى الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية وكانت تعد العدة لوراثة الشرق عن بريطانيا…وكانت فى نفس الوقت تخطط للعبة تبادل الكراسى السياسية تبعا لخططها الأستراتيجية بعيدة المدى….وليس أدل على ان مصر لا تحارب اسرائيل بنفس السلاح الذى تحاربنا به..الا وهو العلم والتخطيط السياسى بعيد المدى والجهل بعض الشىء بنوايا الصهيونية الحقيقية التى لازالت مستمرة حتى اليوم ..واليوم تحارب السعودية اليمن وسوريا…وتحتضر ليبيا..وتتقسم العراق على يد دولة كردية صنعتها الصهيونية منذ الستينات…وتتوالى الكوارث على العرب..بينما تعلن اسرائيل عن مشروعات اقتصادية تضم العديد من الدول العربية سيأتى الوقت المناسب للحديث عنها…
بقى أن نعرف ان الياهو ساسون الذى ورد إسمه هو والد موشى ساسون اول سفير اسرائيلى فى مصر بعد توقيع معاهدة السلام.
ان اسرائيل قبل ان تخترق ارضا..فهى تخترق العقول الفاسدة أولا…وتستغل عدم معرفتنا الحقيقية بنواياها ….وهذا هو احد أهم الدورس التى يجب ان نعيها فى صراعنا مع الصهيونية…اذا كان هناك بقية من صراع.

الحلقة القادمة…كيف تعاون الموساد مع دولة عربية فى الستينات فى الكثير من القضايا ..مثل قتل معارضين لتلك الدولة حتى داخل مصر..انشاء جهاز خاص لحماية ملك تلك الدولة…تهجير اليهود من تلك الدولة نظير عمولات …

عمرو سمبل كاتب مؤرخ و باحث

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظة © جريدة لبنانون توداي 2017