رمضان العراق.. سنّة وشيعة على موائد إفطار واحدة

العراق، بابل- يشعر المواطن المهجّر سعد الجبّوري (45 سنة) أنّ “رمضان” هذا العام، الذي يمتنع فيه المسلمون عن تناول الطعام والشراب لمدّة ثلاثين يوماً، كان جيّداً في كلّ المقاييس. فقد نزح وأسرته المؤلّفة من أربعة أفراد من كركوك ( 240 كم شمال بغداد) في 20 تمّوز/يوليو 2014، إلى مدينة الحلّة، مركز محافظة بابل (100 كم جنوب بغداد). وفي هذه المدينة التي احتضنته بكرم، أمّن له أهالي بابل الإفطار الرمضانيّ مجّاناً بعد صوم نهار طويل. وقال لـ”المونيتور” إنّ ما يحصل عليه من الغذاء يزيد عن حاجته، مشيراً إلى أنّ “هذا هو حال الكثير من المهجّرين ممّن نزحوا من مناطق شمال العراق وغربه إلى بابل”.

وكانت بعثة الأمم المتّحدة في العراق قد أعلنت في 23 حزيران/يونيو 2015، أنّ عدد النازحين في العراق، لا سيّما من المناطق الغربيّة والشماليّة، بلغ منذ كانون الثاني/يناير 2014 وحتّى الرابع من حزيران/يونيو 2015 أكثر من ثلاثة ملايين شخص، توزّعوا على محافظات البلاد، منذ اجتياح تنظيم “داعش” مناطق واسعة من العراق في العاشر من حزيران/يونيو الماضي.

وحضر “المونيتور” حفلات إفطار مجّانيّة للفقراء أقيمت في مساجد مدينة النجف المقدّسة (160 كم جنوب بغداد)، جرى فيها توزيع الطعام على البيوت التي تشكوا قلّة المورد.

وأثناء إحدى الحفلات، تحدّث النازح علي الخالصي (شيعيّ)، من محافظة ديالى (57 كم شرق بغداد)، قائلاً إنّه “طلب من الحكومة المحلّية السماح له بالإقامة الدائمة في النجف بسبب المعاملة الحسنة وكرم الضيافة الذي حظي بهما من أهل المدينة”.

وقد لاحظ “المونيتور” هذا التعاون بين الطوائف المختلفة عند زيارته المساجد المقدّسة في كربلاء (100 كم جنوب بغداد)،

إذ وزّع الطعام على النازحين والسكّان الأصليّين على حدّ سواء مجّاناً، ممّا جعل سعيد حسن (سنّي)، النازح من محافظة صلاح الدين، يصرحّ لنا أنّه “يفكر في الاستقرار النهائيّ في مدينة كربلاء”. ويقول أيضاً: “حصلت على فرصة عمل كسائق تاكسي وهو ما لم استطع أن أحصل عليه في مدينتي الأصليّة”.

وانتقد الإعلاميّ من كربلاء علاء كولي، والذي يكتب التقارير الصحافيّة لوسائل إعلام عراقيّة، عبر حديثه إلى “المونيتور وسائل إعلام لم يسمّها، قائلاً إنّها “دأبت على نقل أخبار نزاعات سياسيّة ذات أبعاد طائفيّة، ولا تنقل أخبار التعاون والتكافل بين أبناء الطوائف المختلفة”.

وأضاف: “في رمضان، تجري على نطاق واسع مساعدة الفقراء والمحتاجين، لكنّ حديث الحرب والطائفيّة يغلب على الجوانب الإنسانيّة وصور العيش المشترك بين العراقيّين”.

ودعا رجل الدين عبد العزيز الياسري من بابل “المونيتور” إلى زيارة مرقد الإمام الحمزة جنوب بابل، إذ نظّم هناك إفطار جماعيّ بدعم من الميسورين والمرجعيّة الدينيّة. وقال مؤكّداً وجود لحمة وطنيّة ودينيّة: “على الرغم من أنّ غالبيّة سكّان هذه المنطقة من الشيعة، وأغلب المهجّرين من الشيعة، إلّا أنّ هناك نحو عشر عوائل سنّية هاجرت من الأنبار في آذار/مارس 2014 إلى هذه المدينة، ووجدت المساعدة والدعم بالقدر نفسه الذي حظيت به العوائل الشيعيّة”

ومن هؤلاء سيف الدين العبيدي، وهو سنّي من أهالي الفلّوجة، الذي قال لـ”الموينتور” إنّ “الواقع يختلف كثيراً عمّا تصوّره وسائل الإعلام التي تهتمّ بالمشاحنات السياسيّة”.

ويسكن العبيدي مع نحو 50 عائلة سنيّة وشيعيّة في مدرسة “اليمامة” الابتدائيّة، التي أخليت من الطلّاب منذ نهاية عام 2013 بسبب تقادم أبنائها، وضمّتهم جميعاً. ويقول معلّقاً على وجودهم معاً: “لن تجد الطائفيّة هنا، بل تجدها بين النخب السياسيّة والفصائل المسلّحة، لا سيّما تلك التي وفدت من خارج العراق وأبرزها “داعش””.

ويضيف العبيدي الذي درس علم الاجتماع في جامعة بغداد، وامتهن التدريس طوال عقدين: “تضعف الطائفيّة وتنعدم بين الطبقات الشعبيّة، وتجدها قويّة وراسخة بين السياسيّين والحزبيّين المنقسمين”.

ويعتقد العبيدي أنّ “شهر رمضان استطاع إظهار تلاحم الطوائف وتعاضد أبنائها، في حين واصلت أغلب وسائل الإعلام انقساماتها على أسس طائفيّة”.

أينما ذهبنا في شهر رمضان بين تجمّعات المهجّرين، وجدنا أنّهم يحظون برعاية خاصّة من قبل الأهالي، الذين يؤمّنون لهم وجبات إفطار كافية. عن هذه الظاهرة، تحدّث إلى “المونيتور ” الشيخ ماجد الكلابي من بابل، قائلاً إنّ “التكافل الاجتماعيّ ومساعدة الفقراء في شهر رمضان في وجه خاصّ، عادة دأب عليها سكّان هذه المناطق منذ عشرات السنين”.

عند قارئ القرآن علي الشريفي، وجدنا صورة مماثلة للتكافل بين أبناء الأديان المختلفة، فبعدما انتهى من تلاوة القرآن بعد الإفطار في مسجد الزهراء، في مدينة الحلّة، مركز محافظة بابل، أشار إلى ثلاثة من أصدقائه الصابئيّين، من أهالي المدينة الأصليّين كـ”مثال على التآخي بين الطوائف”.

دنونا من أحدهم، واسمه عادل داود، فقال إنّه “صابئيّ لكنّه يصوم رمضان مع المسلمين، ويتضامن معهم في شعائرهم الدينيّة، ويجد ذلك واجباً فرضه العيش المشترك في البلاد الواحدة”.

يعتقد داود أنّ الطائفيّة ستنحسر في العراق لأنّ “العراقيّين لم يعرفوها من قبل، وعاشوا مئات السنين كأبناء وطن واحد”.

إنّ من يتجوّل في مناطق وسط العراق وجنوبه، يرى الكثير من مشاهد الحياة الاجتماعيّة المعبّرة عن الشعور المشترك بالخطر الذي يتهدّد العراقيّين. ولعلّ استقبال أهالي هذه المناطق العشرات من العوائل النازحة من مختلف الطوائف نموذج على ذلك، كما أنّ شهر رمضان قوّى أواصر العلاقات الإنسانيّة بين أبناء الطوائف المختلفة، وقدرتهم على التعاون لتجاوز الأزمات.

أضف تعليق

اترك رد

جميع الحقوق محفوظة © جريدة لبنانون توداي 2017

تصميم وبرمجة قمة سوفت

%d مدونون معجبون بهذه: