سوريا .. اصل الحكاية, بقلم الكاتب و الباحث شاكر زلوم .. @shakerrzalloum

لم يكن العدوان الثلاثي الأخير على سوريا إلآ فصل من فصول التآمر على المنطقة العربية والإسلامية, فما أن تفشل خطة حتى تليها خطة أخرى وإن اختلفت مفردات توصيف الخطة في الكلام فهدف كل فصل من الفصول هو الوصول لتحقيق الهدف الإستعماري المرسوم, تقسيم المنطقة ابتدأ بمشروع صناعة الكيان الصهيوني في مؤتمر (كامبل بنيرمن) في العام 1907, اعتمدت القوى الإستعمارية بحينه على خطوات عملانية لتحقيق الأهداف المنشودة فكان إتفاق وزيريّ خارجية بريطانيا وفرنسا (مارك سايكس وفرانسوا جورج بيكو) في العام 1916 بما عرف بإتفاقية (سايكس بيكو) فكانت الخطوة العملانية الأولى لتحقيق مشروع صناعة الكيان والهيمنة على ثروات بلادنا, إتفاقية ساكس بيكو قسمت الهلال الخصيب لمنطقتي نفوذ بريطانية شملت الأردن والعراق وفرنسية شملت السيطرة على سوريا ولبنان بينما كانت الوصاية على فلسطين من نصيب بريطانيا, لونت خريطة سايكس بيكو بالأحمر والأزرق والبني (الأزرق منطقة نفوذ فرنسية) و(الأحمر منطقة نفوذ بريطانية) ولونت خريطة فلسطين باللون (البني ووضعت تحت الوصاية البريطانية), قامت بريطانيا بعد ذلك بمهمتها بكل ما تملك من خبث, خسة وإجرام تمهيداً لإنشاء الكيان المسمى (إسرائيل).

في العام 1917 صدر وعد (بلفور) كخطوة عملانية ثانية لتقسيم المنطقة وفي العام 1947 تحقق الوعد بالقرار الأممي رقم 181 الصادر عن منظمة الأمم المتحدة بتوافق وتواطئ من كل القوى المنتصرة في الحرب الكونية الثانية بما فيها الإتحاد السوفييتي الذي ضرب بكل شعاراته بعرض الحائط نتيجة لتغلغل النفود الصهيوني في مطبخ السياسة الستاليني.

ثلاثون عاماً استلزمت لبناء الكيان الصهيوني عقد خلالها مؤتمرات تنفيذية لتحقيق الهدف الإستعماري فكان أهم تلك المؤتمرات مؤتمر (سان ريمو) و مؤتمر (سيفر) في العام 1920 ومؤتمر لوزان في العام 1923 حيث اتفق المؤتمرون المتآمرون على شكل الخريطة الجيوإستراتيجية الجديدة للمنطقة بما يتوافق ومتطلبات مصالح الإستعمار, ثلاثون عاماً تم خلالها استقدام مهاجرين لأرض فلسطين وتم تسريب الأراضي بواسطة المستعمر البريطاني للمنظمات اليهودية المختلفة, ثلاثون عاماً تم خلالها ارتكاب المجازر بحق اهل البلاد الأصليين من قبل عصابات شتيرن والهاجاناه وغيرهم, ثلاثون عاماً هي الفترة الزمنية اللازمة لتحقيق دول وكيانات وظيفية جديدة لتحقق ما ورد بمخطط تفتيت (برنارد لويس).

 

عودة على بدء أصل الحكاية, متطلبات مصالح الإستعمار تختلف نظراً للمستجدات فالإستعمار يعمل على تغيير خططه لدرء المخاطر ولجلب المكاسب له, تمثلت المخاطر على مصالح الإستعمار بالوحدة المصرية السورية في العام 1958 وبظهور حركة التحرر العربية في خمسينات وستينات القرن المنصرم, منع وحدة الشعوب العربية هو هدف الإستعمار وغايته كما ورد بمؤتمر دول الإستعمار السبعة لعام 1907 ومنع الوحدة لا يكون إلآ بالتفتيت بعدما ازدادت هواجس الإستعمار من شعارات الحرية والوحدة التي تهدد مصالح الإستعمار, في سبعينات القرن الفائت أوكل الرئيس الأمريكي (جيمي كارتر) مهمة التفتيت ليهوديّ صهيوني بريطاني يدعي (برنارد لويس), وفي بداية الثمانينات اعتمد الكونغرس الأمريكي بغرفتية النواب والشيوخ خطة (برنارد لويس) بسرية, بقيت الخطة سرية حتى بعد انهيار الإتحاد السوفييتي في 26121991, في عام 1995 نشرت الخطة بعد ذلك على موقع عسكري أمريكي إذ لم يعد الإستعمار يكترث بعدما تحولت أمريكا لقوة وحيدة تتحكم في العالم وتتبعها دول الإستعمار القديم في اوروبا العجوز التي يطالها بعض الفتات من ولائم أمريكا وولائم أمريكا لا تقوم إلآ على نهب ثروات الشعوب وإفقارها.

بعد انهيار الإتحاد السوفييتي تم تفتيت أهم دولة في البلقان (يوغسلافيا) بعدما فُتت الإتحاد السوفييتي ذاته, لم تكتف أمريكا بتفتيت الإتحاد السوفييتي بل عملت لتفتيت روسيا فروسيا مستهدفة لكونها تمثل الخطر الأكبر على مصالح الإستعمار لما تملكه من تكنولوجيا متقدمة وعلوم ولما تملكه من ثروات كامنة وكما لعظم مساحتها التي تقارب 14% من مساحة اليابسة على الكرة الأرضية. بعد تفكيك الإتحاد السوفييتي تم أستهداف روسيا في الشيشان وبعد ذلك في جوارها بجورجيا وأوكرانيا بهدف محاصرتها وسد السبل عليها لإيصال غازها الطبيعي وهو موردها الذي يعتمد عليه إقتصادها بل وصل الأمر لمحاولة إغراء سوريا لتمرير غاز قطر وما قد يستثمر من غاز في جزيرة العرب لدول أوروبا لما يمثله ذلك من مخاطر تجارية على روسيا فغاز قطر ونفط السعودية وغازها إن كانا إسماً قطرياً أو سعودياً فهما بحقيقتهما غاز ونفط أمريكيّ, قتل الإقتصاد الروسي سيؤدي لقتل روسيا وتحويلها لدولة تابعة وقتل روسيا سيتبعه بعد ذلك قتل للإقتصاد الصيني العملاق, فمن يتحكم بالطاقة سيتحكم بالعالم, من ما سبق ندرك خلفيات وابعاد التدخل الروسي في سوريا والتعاطف الصيني معها.

تلخصت خطة الإستعمار بالهجوم على سوريا لتفتيتها في تدرج منهجي,وكلما فشلت خطة كانت الخطة البديلة جاهزة فمعركة الإستعمار هي معركة وجود و معركة وجود الكيان الصهيوني (إسرائيل) في فلسطين هي معركته فهي القاعدة المتقدمة للإستعمار في أهم منطقة في العالم, لقد عمل الإستعمار لقرن ونيف وهو يحافظ عليها وعلى تسمينها وهو يستميت الآن للعمل على حفظها فأمن الكيان هو أهم ضمانة لتحقيق غايات الإستعمار بالهيمنة على دولنا ونهب ثرواتنا.

في العام 2013 هزمت أمريكا والكيان وكل قوى الشر والعدوان بمعركة القصير خالدة الذكر على يد المقاومة اللبنانية والجيش العربي السوري, كان النصر في القصير مقدمة لإنتصارات أخرى, لم تتأخر أمريكا إذ اوعزت لعملائها في العراق بتسليم غرب العراق وشماله لعصابات داعش في العام 2014 ,تمددت داعش للشرق والشمال السوري نتيجة لإمتلاكها كم هائل من العدة والعتاد والأمول وبتواطوء مع تركيا الأطلسية, نشرت وسائل الإعلام الصهيونية بفرح خريطة دولة داعش, خريطة دولة داعش توضح الهدف الأمريكي بتمرير غاز قطر والسعودية عبر أراضي (دولة) داعش من جهة وتحقق الفصل ما بين سوريا والعراق من جهة ثانية وتمنع إيران من التواصل مع سوريا ولبنان كهدف ثالث, اليكم خريطة داعش كما وردت بالإعلام العبري وهي بالعبرية.

أهم ما في الخريطة هو وصلها الشمال التركي في الجنوب السعودي بهدف تمرير أنابيب الغاز عبرها لأوروبا وقطع الطريق على تواصل بين العراق وسوريا, من المفيد مراجعة مقالي

(أحجية الغاز والحرب على سوريا) لصلته بموضوع هذا المقال.

لقد زودت دولة داعش بكل مقومات الحياة فكان لها ترسانة هائلة من الأسلحة وتم تأمينها بحقول نفط لتمويل أنشطتها وتم تسهيل مرور النفط لها عبر حكومة أربيل وحكومة أردوغان ليسوق عبر الكيان (إسرائيل) ومن خلالها للعالم, كما تم جلب كل قطاع الطرق وعائلاتهم من كل انحاء العالم للقتال معها ولتغيير الديمغرافيا في مناطق سيطرة داعش, من المفيد تذكير القارئ بتصريحات قائد الجيوش الأمريكية السابق الذي قال: نحتاج الى ثلاثين عاماً للقضاء على داعش بينما حقيقة القول أن أمريكا تحتاج لثلاثين عاماً لتمكين دولة داعش.

فشلت خطة تمكين داعش على يد الحشد والقوى الأمنية العراقية والجيش العراقي فتم تحرير شمال العراق وغربه, فيما بعد تمكن الجيش السوري والقوى الرديفة من كنس داعش من البادية السورية والشرق السوري, لقد استماتت امريكا لتمكين داعش من دير الزور, في العام 2016 قصفت أمريكا مواقع الجيش السوري بجبل الثردة بدير الزور بتنسيق مع هجوم بريّ قام به دواعش أمريكا وبامر منها بهدف إسقاط مطار دير الزور لكن استيسال أبطال الجيش وحامية المطار أفسدت هدف امريكا.

أمام هزائم  وكلاء أمريكا الدواعش استحضرت امريكا ورقة أكراد سوريا لتلعب بهم لتحقيق اهدافها لكن أمر سقوط ورقة أكراد امريكا حتمي لإعتبارات ديمغرافية فمعظم أهل الجزيرة هم من العرب وكذلك الحال بالنسبة لشرق الفرات والشمال السوري.

لم يتبق الا دخول الأصلاء مباشرة في حربهم على سوريا وهذا يفسر الهجمات الصهيونية والعدوان الثلاثي الأخير عليها وما الحملة على إتفاقية النووي الإيراني إلآ في سياق الإعداد لعدوان جديد سيبوء بالفشل, محور المقاومة سينتصر لكونه يحمل قضية عادلة ويقاتل على أرضه ومن أجل حريتها وبإنتصاره ستكنس امريكا من منطقتنا ليعم مستقبل جديد لشعوبنا بلا فقر وبلا بؤس ومرض.

 

شاكر زلوم

كاتب و باحث

أضف تعليق

اترك رد

جميع الحقوق محفوظة © جريدة لبنانون توداي 2017

تصميم وبرمجة قمة سوفت

%d مدونون معجبون بهذه: