شد حبال بقضية المياومين: “كفى متاجرة سياسية”

ليست المرة الأولى التي تُغيّب فيها قضية المياومين عن اجتماعات المعنيين. ففي اجتماع الخليلَين (وزير الطاقة سيزار أبي خليل ووزير المال علي حسن خليل) يوم الأول من أمس حصل ما كان متوقعاً، توصّل الوزيران لحلول بالنسبة لعمال ومستخدمي كهرباء لبنان، بينما لم يلتفت أحدهما إلى ملفٍ عاثت فيه السياسة فساداً على مدى العقود الماضية.

ورداً على هذا التعنّت برمي الملف خارج سلة الحلول، نفّذ المياومون في مؤسسة كهرباء لبنان اعتصاما صباح أمس في مبنى المؤسسة وسط إجراءات أمنية مشددة. وأعلنت “لجنة العمال المياومين وجباة الإكراء” قرار الإبقاء على الاعتصام وتوقيف الأعمال وإقفال الدوائر في المبنى المركزي وكل المناطق. وأكدت أنها بصدد التصعيد على المستويات كافة حتى أخذ القرار بإقفال المبنى المركزي بشكل تام مع برنامج تحركات على الأرض في أماكن تحددها في الوقت المناسب. مطالبة وزيري المال والطاقة بحل قضيتهم، إسوة بالمستخدمين وبسلة واحدة، وتضميد ما سمّوه بالجرح النازف منذ سنوات.


أخذت قضية المياومين، وهم عمال متعهدون أو عمال غب الطلب تستعين بهم مؤسسة كهرباء لبنان من خارج الملاك منذ العام 1992 كون التوظيف كان متوقفاً في المؤسسة، حيزاً واسعاً من الجدل الذي ظهر للعلن بصورة واضحة في العام 2006 يوم الاعتصام الكبير الذي نفذه هؤلاء مطالبين بحقوقهم بالتثبيت في ملاك المؤسسة وبالضمانات الصحية والاجتماعية.

بدأ يتراكم عدد المياومين عاماً بعد عام، كما يؤكد عضو “لجنة العمال المياومين وجباة الإكراء” ربيع كركي ، إلى أن وصل عددهم حوالي 2300 مياوم، لا يحصلون على أدنى حقوقهم. وقرروا الصراخ من أجل هذه الحقوق، وأُدخِلت قضيتهم دهاليز التجاذب السياسي وهي التحركات التي يؤكد كركي أنها لم تكن موجهة يوماً ضد فريق سياسي.

يرفض كركي كل ما يثار في الإعلام عن أن المياومين حجر شطرنج لدى فئة سياسية معينة، فـ”بين المياومين عمال من كل الطوائف والمذاهب والانتماءات، لا طرف يحركّنا ولسنا بيد أحد بل كل ما يحركنا هو لقمة عيش أطفالنا، علماً أن تحركاتنا بدأت من قبل استلام التيار الوطني الحر لوزارة الطاقة”.

ويتابع سرد رواية المياومين، مشيراً إلى أن الكهرباء مقسمة إلى أقسام “إنتاج ونقل وتوزيع وإدارة”، والمياومون يعملون بكافة هذه الأقسام، وهم أساسيون. فالمعامل والمحطات قائمة عليهم وكذلك التوزيع والعمل على الأرض والدليل أن ضحايا الكهرباء عادةً ما يكونون من المياومين. وعلى الرغم من ذلك، اتُخذ القرار في حكومة رئيس الوزراء الأسبق نجيب ميقاتي بالتعاون مع شركات مقدمي الخدمات ما زاد طين معاناة المياومين بلّة، ونُفِذ المشروع في عهد الوزير جبران باسيل في وزارة الطاقة.

وبعد التحركات الكبيرة وإضراب المياومين الشهير لفترة 97 يوماً، علّق المياومون انتفاضتهم بعد اتفاق سياسي بين حركة أمل والتيار الوطني الحر رعاه الوزير أكرم شهيب، قضى بإجراء مباراة في مجلس الخدمة المدنية على أساس القانون الرقم 287 بتاريخ 30/4/2014 الذي أجاز لمؤسسة كهرباء لبنان ملء المراكز الشاغرة.
لكن صُدم المياومون بأن القانون نص على أن ملء المراكز الشاغرة سيكون “وفق حاجة المؤسسة”، وهي كلمة مطّاطة حملت معها الظلم مجددا للمياومين، إذ تم إجراء المباريات على الفئات الوظيفية لمدة سنة ونصف السنة، وكانت الأعداد التي تؤخذ زهيدة جداً نسبةً للناجحين. علماً أن الشغور الحقيقي بحسب مذكرات عدة منها مذكرة مدير عام كهرباء لبنان كمال حايك أكبر بكثير من ذلك، ليتأكد المياومون مجدداً أنهم ضحية تسوية لم تسمن ولم تغنِ عن حقوقهم المهدورة في مؤسسة كهرباء لبنان.
وما زاد الأمر تعقيداً هو انتهاء عقود الشركات والتمديد لها على مبدأ الطوارئ لمدة 4 أشهر لأنه لم يكن بإمكان وزارة الطاقة تجديد العقود من دون توقيع وزارة المالية.

لا يجد كركي تفسيراً لنوايا المعنيين المبيّتة باستمرار النزف في هذا الملف إلا أن هناك جهات مستفيدة من عقد الصفقات مع شركات تقديم الخدمات. فمن دون هذه الشركات ينتفي وجود هذه الصفقات، علماً أن هذه الشركات تعمل في المؤسسة عبر هؤلاء المياومين.

ويشير إلى تقرير شركة “نيدز” الاستشاري المشرف على عمل الشركات، والذي حذرت فيه قبل انتهاء عقد هذه الشركات الأول في العام 2016 من مغبة التجديد لشركات الخدمات. وأشارت إلى خطرها على المال العام قبل أن تقدم استقالتها، وتعيّن مكانها المستشار القانوني فايز الحاج شاهين والذي جاء تقريره بعد كل المراجعات كقرار “نيدز” وأشد لهجة، إذ قال إن التجديد لهذه الشركات جريمة بحق المال العام، وناشد مجلس شورى الدولة وديوان المحاسبة التدخل.

وطالب كركي باسمه وباسم كل المياومين مجلس الوزراء بعقد اجتماع طارئ لحل قضيتهم، وانتشالها من مستنقع التجاذبات السياسية، فـ”نحن أصحاب حق ولم نضيّع عمرنا بخدمة المؤسسة إلا على أمل التثبيت واليوم لم يعد لدينا إمكانية للعمل بمؤسسات أخرى وقد تجاوز عمر بعضنا 50 و60 عاماً”.

بغض النظر عن طوائف المياومين وانتماءاتهم السياسية، وعن حقيقة تسييس تحركاتهم من عدمها، يبقى هؤلاء أصحاب حق منتهكة حقوقهم بعد عشرات السنين من الخدمة، وهناك 2300 عائلة مهددة بالتشرّد والجوع إذا ما استمر شد الحبال على دم العمّال ولقمة عيش أطفالهم.

نهلا ناصر الدين
أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظة © جريدة لبنانون توداي 2017