شهامة سليمان فرنجية… وشجاعة نديم الجميل/ بقلم ديفيد عيسى

دافيد عيسى

في حمأة الأزمة الحكوميّة والمناكفات السياسية والسجالات الإعلامية و”التوتيرية” التي أنهكت اللبنانيّين وشتّتت انتباههم وحوّلت أنظارهم إلى يوميّات مملّة ومكرّرة، حدث أمر هام في الشمال وتحديداً في اهدن لم ينتبه له كثيرون، أمّا أنا فقد استوقفني ملياً واستحوذ على تفكيري وأفرحني وقرأت معانيه وأبعاده المسيحيّة لأنّه كان دائماً يؤلمني ويزعجني وكان دائماً حاضراً في عقلي ووجداني وضميري.
الحدث هو وقوف نديم بشير الجميّل أمام ضريح الوزير الراحل طوني سليمان فرنجية في اهدن والى جانبه طوني سليمان فرنجية الحفيد وقفة نبل وخشوع وصلاة وتأمّل وتأثّر في مشهديّة أبعد وأهم من كل هذا الضجيج والصخب السياسي، واضعاً إكليلاً من الزهر على الضريح ومفتتحاً صفحة جديدة في كتاب العلاقة بين عائلتي الجميّل وفرنجيّة وبين حزبي “الكتائب اللبنانيّة” والمردة.
هذه البادرة الشجاعة المشحونة بالمعاني والإشارات الإنسانية والعاطفية حصلت في خلال تقديم نديم الجميل التعازي بوفاة الراحل روبير فرنجية وأراد أن يرفق خطوته الاجتماعية في تقديم واجب التعزية بخطوة سياسية تتمثل بطي ما تبقى من صفحة الماضي وإسدال الستارة نهائياً على حقبة سوداء في تاريخ المسيحيين.
لا بد لنا من الاعتراف بأنّ هذه الخطوة تحسب لنديم الجميل لأنّها تنم عن طيبة وشجاعة وإقدام وإدراك حقيقي للمصلحة المسيحية.
إلى نديم الصديق أقول، وبكل صدق، وصديقك من صدقك: “إنك في موقفك النبيل والجريء هذا كنت مميزاً وحقّقت من حيث تدري أو لا تدري أمنية آلاف المسيحيّين، أمّا على المستوى السياسي والمسيحي فإنّ هذه الخطوة هي أهم ما قمت به منذ انتخابك نائباً وحتى اليوم على هذين المستويين، ونحن ننتظر منك المزيد من هذه الخطوات الجريئة والمبادرات المسؤولة كتلك التي اتخذتها وقمت بها بالأمس في اهدن.
أما وإذا كان نديم الجميل جريئاً في خطوته، فإنّ سليمان فرنجية كان الأجرأ في احتضان هذه الخطوة وملاقاتها وتقديرها، وأثبت هذا الفارس أنّه زعيماً صاحب قلب كبير وعقل كبير وقدرة على استيعاب الأحداث، متمتعاً بصفات ومزايا قيادية ووطنية تتناقص وتندر في المجتمع السياسي اللبناني الذي سقط فريسة المصالح والأنانيّات والشهوات والطمع والأحقاد.
سليمان فرنجيه مسيحي حقيقي، يحمل في قلبه صفات التسامح والمحبة والإنسانية ويحمل في عقله الوطنية والشهامة والوفاء.
ولأنّه كذلك، ظل سليمان فرنجية هو هو، صامداً ثابتاً في موقفه وزعامته وشعبيته في كل المراحل ورغم كل الظروف، وظلّت اهدن محجاً للمحبين والأصدقاء وأيضاً للخصوم السياسيّين الذين يضعون في أحيان كثيرة خلافاتهم السياسية مع فرنجية جانباً ويتجاوزونها ويكبّرون فيه أخلاقه وصدقه وفروسيته عندما يتحدثون عنه في الشخصي…
ما قام به نديم الجميل كان عظيماً ومباركاً وفي سياق علاقة يعيد رئيس حزب الكتائب سامي الجميل بناءها مع “المردة” وزعيمهم، لنا فيه أيضاً ملاحظتان إيجابيّتان:
– الأولى أنّ هذا نمط من روحيّة وطنيّة وسياسيّة مطلوبة في العمل السياسي وتعاطي الشأن العام، نهجاً وتفكيراً وممارسة… هذه الخطوات المبنيّة على المحبّة والصدق والعفويّة من دون تعقيدات وحسابات سياسيّة ومن دون تفاهمات ومذكرات خطّية، هي التي تعكس روح المصالحة المسيحيّة الحقّة وهي التي تبني مجتمعاً ووطناً على أسس ثابتة ومتينة، وهي التي تمد المسيحيين بالمعنويات وبالرغبة في البناء والصمود ومواجهة التحديات والصعاب وبالأمل في المستقبل…
– الثانية أنّ ما جرى في اهدن بين “الكتائب” و”المردة” جاء في الوقت المناسب ليعطي جرعة إنعاش ودعم لمسار المصالحات والمناخات المسيحيّة الإيجابيّة في وقت يواجه اتفاق المصالحة بين “التيار الوطني الحر” و”القوات اللبنانية” اختباراً قاسياً وأياماً عصيبة متسبّباً بإحداث حالة من القنوط عند المسيحيّين الذين لا يرتضون العودة إلى الوراء.
وإذا كان من عبرة يجب استخلاصها من كل ذلك، فهي أنّ المجتمع المسيحي المتعدّد والغني بتنوّعه الفكري والسياسي لا تحكمه ولا تختصره ثنائيّات وثلاثيّات ومحاور، وأنّ “المصالحة” هي نهج وممارسة قبل أنْ تكون اتفاقاً وبنوداً وهدفها جمع الشمل وتعزيز القدرات والإمكانات وليس التفريق والتمييز وتقاسم السلطة والمراكز… فما بدأ بين “التيار” و”القوات” في معراب يجب أنْ يُكمِل وأنْ يُصحِّح مساره ويَستمِر، لاسيّما بين قواعد الحزبين، وما حصل بين “الكتائب” و”المردة” في اهدن يُعزّز هذا المسار في سياق توسيع مفهوم المصالحات والاتفاقات ونطاقها لتصبح شاملة ولا تستثني أحداً أو تكون موجّهة ضدّ أحد…

أضف تعليق

اترك رد

جميع الحقوق محفوظة © جريدة لبنانون توداي 2017

تصميم وبرمجة قمة سوفت

%d مدونون معجبون بهذه: