“شيعة لبنانيون” يدعمون محاصرة وضرب حزب الله عسكرياً

يومٌ كاملٌ قضاه المؤتمرون في أحد فنادق إمارة أبو ظبي خصصوه للبحث في كيفيّة تفكيك شيفرة حزب الله وهو الشعار الذي اختير عنواناً لجلسة نقاش دارت رحاها في مركز الامارات للدراسات الاستراتيجيّة قبل أيام.

الهدف واضح ويمكن بسهولة قراءته من العنوان. تفكيك شيفرة حزب الله –أي الخليّة التي تحمل مصدر قوّته- والتصويب على “الشيفرة” بهذا الشكل يرتبط بعوامل محاربة حزب الله، أي أن معرفة طرق تفكيك الشيفرة، يقود إلى تفكيك الحزب بعد ذلك. ولفهم القضيّة، على المهتّمين أن يجمعوا المصادر العلميّة التي تخدم الهدف، وهذا لا يمكن اتمامه إلا من خلال إجراء دراسات معمّقة، وهي عادةً نماذج يجري العمل عليها لدراسة حالة قبل الدخول في المنازعة معها.

أصحاب شهادات عليا من حاملي الاجازات توافدوا عبر دعواتٍ خاصة للقاء على مائدة كان نجومها لبنانيون محسوبون على الطرف النَقيض للحزب يستنسب عامة الناس إطلاق عليهم وصف “شيعة السفارة”، مطعّمين بثلّة لا بأسَ بها من المسؤولين والباحثين الأجانب، من الأميركيين وغيرهم، الذي أدلوا بدلوهم ذات الرأي المعروف مسبقاً بالحزب، والذي تناغمَ بالمطلق مع مثقفينا الشيعة اللبنانيين على أكمل وجه.

الدكتور لقمان سليم، الصحفي علي الأمين، الباحث محمّد مقلّد والصحافية حنين غدار بالاضافة إلى جوزيف الآغا وجميعهم من دائمي التحريض على حزب الله، اعتلوا المنبر مخاطبين حشداً من “الدكاترة” الإماراتيين والباحثين الغربيين المهتمّين بدراسة حزب الله ووجوده والسرّ الذين يقود إلى تفكيكه!

وطبعاً فإن هذا الاهتمام بالحزب الذي سمَحَ لمركز مدعوم من حكومة الامارات أن ينكب على اجراء دراسات بهذا الشكل، لهُ أسبابه العملانيّة التي تصب في خدمة مشروع البحث عن أبواب تفيد في محاصرة حزب الله وايذائه، أو يمّكن الاستفادة منها في شنّ الحروب عليه أو على بيئته، ربما قد تعطي نتيجة تكون مقدّمة لحملةٍ أوسع، وهو الهدف الذي لم يبخل الحاضرون في الحديث عنه كواجب مقدّس لدول العالم والاقليم!

ويبدو أن دولة الإمارات عاقدةٌ العزمَ على ممارسة هذا الدور لتنتقل من سياسة معاداة حزب الله سياسياً إلى معاداته والتحريض عليه علنيةً، وما المؤتمر إلا وجه من أوجه الشبه مع مؤتمرات وندوات مماثلة تعقد في الولايات المتّحدة تحت راعية “اللوبي” أو في اسرائيل تحت راعية المؤسسة الحربيّة.

وبمناسبة الحديث عن الحصار، لم يبخل الحاضرون المحاضرون الخمسة في ارساء دعائم ضروريّة لهذا الحصار، والترويج له مرتكزين على الارتباط العضوي بين إيران وحزب الله. ولكون إيران أصبحت وفقَ وجهة نظر أهل الخليج “دولة معادية”، تصبح إذاً الاضاءة على البعد الإيراني في العلاقة مع الحزب ضروريّة لتأمين الارضيّة السَليمة لهذا الحصار ومحاولة جرّ حباله إلى بيروت.

وهذا ما سعت المجموعة للقيام به عبرَ صبّ طبخة تفسيريّة لنظريّة وجود حزب الله على مائدة الحاضرين، تُوصل فقط إلى إيران وثورتها الإسلاميّة التي هي السبب الرئيس -في نظر هؤلاء- بوجود واستمراريّة هذا الحزب، حتى أن بعضهم شَطَحَ في التفسير لدرجة تصوير الامور وكأن الإيرانيين فرضوا على شيعة لبنان والجنوب تحديداً حزب الله، حتى أضبحَ مغلوبٌ على أمرهم!

بعيداً عن كافة مضامين المؤتمر الذي يقرأ مغزاه من عنوانه، فإن عدّة أمور قد جرى تناولها من “الباحثين” اللبنانيين، كمواد محاضراتيّة أو كاجابات أتت في معرض الردود على أسئلة الحاضرين، لا يجب المرور عنها بل التوقف عندها، لكونها بالغة الخطورة وتاتي في مرحلة حساسة وضمن سياقٍ مشبوه.

فمثلاً سنضيء على مداخلة الدكتور لقمان سليم الذي يصوّر على أنه الوجه العلمي للمعارضين الشيعة لحزب الله. حاضرَ في أسباب وجود الحزب منذ ثمانينات القرن الماضي ودور وعلاقة إيران في نشأته، وكيف نجح الحزب بإرساء دعائمه في المجتمع ليصل في خلاصته إلى وضع أمام الحاضرين استراتيجية لمواجهة حزب الله تقوم على جبهتين:

– جبهة مواجهة في الحقل الاجتماعي، قسمه إلى تربوي – فني – صحي مطالباً بنقل المواجهة إلى هذا المستوى الذي ينهل منه حزب الله القوة، أي بمعنى آخر، ممارسة حرب ناعمة على بيئة الحزب الذي يستقي التأييد منها، ولهذه الحرب الناعمة جبهات عدة وخصائص عديدة.

– جبهة ثانية “عسكريّة”، إذ وفي معرض حديثه ضمن آخر 57 ثانية ممنوحة له، أجابَ سليم صراحةً بأن الحل مع حزب الله يكمن في محاصرته عسكرياً، لكنه استدرك بأن هذه الخطوة قد تجرّ على لبنان وعلى الشيعة اضراراً جانبية، ثم عادَ ليبرّر ذلك بأن الشيعة بحاجة إلى “نكبة لا بدَ منها للقضاء على حزب الله”، وهنا مكمن الخطر في كلامه.

جراه في حديثه الباحث محمد مقلّد الذي عرّج على إيران وشكل دولتها الدينيّة ليصل إلى بيروت مرسياً حلاً تقوم دعائمه على “العزل السياسي لكل رجال الدين الشيعة” لكي يتسنى لـ
مفكّكي الشيفرة الأشداء” حماية الدولة المدنيّة اللبنانيّة من تسلّط هؤلاء الذين يريدون تدميرها مقابل إرساء أخرى دينيّة!

ولكون كلام سليم ومجاراة مقلد وحضور آخرين في مؤتمر يتضح أنه غيرَ بعيد عن عدّ العدّة لضررٍ قد يبلغ لبنان، وجَبَ ايجاد تفسير قانوني لهذا الحضور، لذا لم يكن صعباً على ثلّة من المحامين تشخيصه ليتضح لهم أن ثمّة مرض يصيب أمن الدولة بضرر بالغ.

فيقول المحامي علي محبوبة بعد استفسار “ليبانون ديبايت” وإطلاعه على موادٍ مصوّرة جرى التطرق اليها في الندوة، أن ما جرى تناوله في كثيرٍ من الزوايا يمكن أن يندرج تحت خانة الفصل الأوّل في الجنايات الواقعة على أمن الدولة الخارجي (قانون العقوبات وتعديلاته) كالمادة 274 التي نصّت صراحةً على أن “كل لبناني دس الدسائس لدى دولة أجنبيّة أو اتصل بها ليدفعها إلى مباشرة العدوان على لبنان أو ليوفّر لها الوسائل إلى ذلك عوقب بالاشغال الشاقة المؤبدة..”.

وبصرف النظر عن ما ورد على السنة الآخرين والذي لم يأتِ من خارج سياق تسويق فكرة “أيرَنة حزب الله وشيطنته” (وليس من حاجة لاستعراضها كونها اسطوانة لم يمل اصحابها من تكرارها)، فإن زبدَة الحديث هي في امكان ملاحقة الحاضرين قضائياً ليس لأي أمرٍ سياسي، بل استناداً على ما اقترفه بعضهم من مواقف لا يفهم منها إلا أنها دعوات لعدوان جديد يشن على لبنان، كيفما كان هذا العدوان (عربي أو غيره) ولا تسمّى بغير “دس دسائس لدى دولة أجنبيّة” استضافت ندوة الغاية منها استهداف المجتمع اللبناني والحضّ على النزاع فيه والتدخّل بأمور داخليّة تخصّه ولا شأن لها بها، لا بل السعي لتبرير إنشاء تحالفات عسكريّة الطابع وذات وجه اقليمي لاستئصال حزب لبناني ممثل ومعترف به.. فأين القضاء من كل ذلك؟

عبدالله قمح |

أضف تعليق

اترك رد

جميع الحقوق محفوظة © جريدة لبنانون توداي 2017

تصميم وبرمجة قمة سوفت

%d مدونون معجبون بهذه: