صدمة في حركة أمل / عبدالله قمح

رُبما لم يكن ضرورياً أن نتوقع الكثير من المؤتمر العام الـ ١٤ لحركة أمل كي لا تصدمنا النتائج و نُشاهد حزب الإمام المُغيب السيد موسى الصدر الذي أراده مميزاً، قيد التحوّل الى نسخة طبق الأصل عن الأحزاب اللبنانية السّائدة التي توالت عليها نفس الأسماء.

عشنا أسابيع على تناولِ جُرعات وعود، على شكلِ تسريباتٍ و معلومات، رسمية وغير رسمية وأحياناً شائعات، تُحدّثت عن إحتمال دخول تغيير بنيوي على جسدِ الحركة يجعلُ من فئةِ الشباب عناصر قيادية من الصّفِ الأول، ما تسبب في لحظةٍ ما انتشاء وترقب كبيرين على قاعدةِ أنّ الحركة بخير، و للتغييرات أن تُزيل تراكمات مرحلة الإنتخابات التي لم تكن كما يجب، لكن ظهر عكسُ ذلك نهار السبت، أقله لدى فئة واسعة من الحركيين، نشطاء افتراضيين أو واقعيين، عَبَّروا عن صدمتهم من النتائج.

كُنّا نسمعُ أقوالاً على شكلِ أن ما يُسرّب لا يلامس الواقع، وهذا له تبريره كون الوضع الذي نشأ داخل الحركة طوال الأعوام التي خلت يختلفُ عن الأحزاب الباقية وأموره بحاجة الى ترتيبٍ وترتيبات خاصّة، وكُنا نسمع لدى حركيين أن الخطوط الحُمر لديهم هي الميثاق والإمام والأستاذ، وكل ما دون ذلك خاضعٌ للنقد والتغيير، بل أنّهم كانوا يحتسبون أن اتخاذ الرئيس نبيه بري قراره بترك سدة رئاسة الحركة لغيره لم يحن بعد، وعلى الأستاذ أن يبقى ويُشرفُ على تأمينِ فترةٍ إنتقالية لا بُدَّ أن تأتي ساعتها.

مِن وجهةِ نظرهم، كان التركيز ينصب على إحداث تغيير في هيئةِ الرئاسة والهيئة التنفيذية والمكتب السياسي تؤدي الى دخولِ أسماء جديدة من غير التي طبعت مخيلة الحركيين، تُسهم في تزخيم الدّور الحركي الذي يحتاج اليوم الى قدرات عقول شابة لا نضوب فكري حبيس الأعمار المديدة، وكان الرّهان على كلام الرئيس بري خلال إحتفال ذكرى تأسيس كشافة الرسالة، الذي نكأ الجرح، وكان صريحاً حينما دل إلى وجودِ مُشكلة لا بل أزمة تحتاج للمعالجة، يفترضُ أنّ الطريق الى ذلك لا بد ان يبدأ من رأس الهرم ونزولاً إلى القواعد.

أتى نهارُ السبت وبدأ الأعضاء بالتوافد الى مكانِ المؤتمر الذي انعقد في ثانوية حسن قصير – طريق المطار. نحو ٦٠٠ عضو كانت مهمتهم مُناقشة ورقة المؤتمر الذي حَمل عنوان “عقيدة وثبات” ، ومِن ضمنها التّطورات التي تلت المؤتمر الأخير وصولاً الى اليوم، بالإضافة الى التباحُث في أمورٍ حركية داخلية، على أن يجري الإنتخاب، لكن أياً من المتوقع لم يحدث. نفس الأسماء تقريباً (عدا تغيير واحد طرأ على موقع رئيس الهيئة التنفيذية محمد نصرالله لعدم جواز الجمع بين النيابة والمنصب)، أمر لم يرتقِ الى مستوى الطموحات المعقودة، مما أدّى لتفجير حملة غضب عبر وسائل التواصل الإجتماعي.

الذي يُعاين التعليقات الواردة أسفل الأخبار المنشورة عن المؤتمر في صفحة “حركة أمل الرسمية” على فايسبوك، يستدرك نقمة مجموعة كبيرة من الحركيين، ويتأكدُ مدى الصّدمة التي خَلّفها المؤتمر، ومدى رفض النتائج وإعادة إنتاج نفس الوجوه وفي نفسِ المناصب وضمن نفس القاعدة. العامل المشترك الوحيد في تعليقاتِ هؤلاء كان التّوحد خلف اسم الرئيس نبيه بري، وكُلٌّ ما دون ذلك خضع للتصويب والإنتقاد والتساؤل وصولاً للترحم على الواقع.

حتى أن أحد المعلقين، طالب بإعلان “حالة طوارئ وسؤال المعنيين عن الأسباب التي جعلتهم ينقلبون على الوعود ويعيدون إنتاج نفس الطبقة”، بينما آخرٌ نعى “الوضع الى سماحة المُغيّب واضعاً الشكوى عنده”. واحدٌ آخر طالب بإعلان النهاية، رابعٌ كان يَستعرضُ الأسماء ويبحثُ بين أنقاضها عن آثار شباب، خامس وصف ما جرى بـ”المسرحية”، وسادس أعلن إنتصار المحسوبيات، والبقية يمكن متابعتها على الصفحة.

كلام قاسٍ استدعى التساؤل عن الأسبابِ التي جعلت من فئةِ الشباب تلجأ الى وسائل التواصل لتعبّر عن نقمتها وتستشعرُ الغبن والظلم وحذاري من الظلمِ يا سادة!، حتى أنّ بعض النشطاء المعروفين بالولاء الكامل لكل ما يصدر عن القيادة، دخلوا في صمتٍ مطبق منذ إعلان النتائج، واحدٌ فقط قرر كسر حاجز الصّمت مُكتفياً بقول : “كنا نتوقع غير هيك”.

مصادرٌ صنّفت نفسها معترضة على الأسماء”، وإذ قدمت التهنئة لدولة الرئيس على استمراره أميناً على خط الإمام، لم تشأ التبريك لهيئة الرئاسة “الجديدة” على إعتبارِ أننا “قدمنا لهم قسط التبريك منذ زمن بعيد، فعلى ماذا نبارك اليوم؟”، مستغربةً أن يُعاد انتخاب نفس الوجوه وفي نفسِ المواقع وإن من بينهم من تجاوز السّن القانوني الذي يخوله تولي مسؤوليات بحجم ما يتولى، وكأن الحركة قد نضبت من مشاريع القادة!

لكن المصادر تعود لتبني املاً على ما ستحمله الايام القادمة حيث تختار الهيئتان، التنفيذية والرئاسية، أعضاء التنفيذية والمكتب السياسي ثم مسؤولي الوحدات الحزيية والمكاتب والأقاليم والشعب، مستأنسة بامكان اجراء تغيير على مستوى الهيئة التنفيذية والمكتب السياسي على وجه الخصوص.

“المُشكلة ليست مقاعد ولا أسماء، بل دورة مسؤوليات جرى تجميدها” التبرير يقوم على واقع الحال الذي فرضته الأعوام الماضية في الجسمِ الحركي، إذ لم يعد خفياً تعاظم نفوذ البعض إلى حدٍ بات معه يصعب إدخال أي تغيير دون الأخذ بعين الإعتبار إحتمال أن ينعكس هذا النفوذ على عمليةِ التغيير هذه، وهو ما يؤدي دوماً الى إرداء التغيير في مهده.

لكن ثمّة رواية أُخرى تبني جوانبها على فكرةِ عدم جواز جمع أصحاب “الرؤوس الحامية” في مواقع متقابلة لها أن تنقل هيئة الرئاسة الى مكانٍ آخر، وهو ما يَستدركهُ دوماً الرئيس بري، وهذا شأنُ جميع الاحزاب تقريباً التي تشهد صراعات داخلية طبيعية بين الأقوياء.

مصادرٌ رسمية في حركة أمل، فضَّلت عدم ذكرِ إسمها على الموضوع، إعتبرت أنّ ما جرى يوم السبت “أمرٌ ديمقراطي وهو تعبير عن إرادة أكثر من ٥٠٠ عضو حضروا أعمال المؤتمر وكان لهم رأي، وهؤلاء هيئة عامة تأخذ وكالتها من أبناءِ الإمام الصدر، فهل يجوز أن نعتبر الـ ٥٠٠ وأكثر اشخاص غير اكفاء أو مغلوب على امرهم؟”.

وفي حينِ إعترض على إستخدام مصطلح “مُعارضة” داخل حركة أمل لأننا “لم نعهد هذا الشيء في تاريخنا إلا في بعضِ الإعلام الذي يحاول استحضاره من عدم”، قال أنّ هؤلاء الأشخاص “لا وجودَ لهم”، وأنّ الحسابات الإلكترونية التي جرى الإحتكام إليها أو نشرت مواقف و تدوينات وتغريدات على مواقع التواصل هي عبارة عن “حسابات وهمية أو تدعي التزام الخط الحركي وهي بعيدة عن ذلك، ونحن لا نبني في المواقف على امور مجهولة”.

عبدالله قمح 

2018 – تشرين الأول – 01
أضف تعليق

اترك رد

جميع الحقوق محفوظة © جريدة لبنانون توداي 2017

تصميم وبرمجة قمة سوفت

%d مدونون معجبون بهذه: