عندما انقلب السحر على الساحر

أحاط رئيس التيار الوطني الحر وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل، نفسه، بهالة، رابطاً القرارات المصيرية في البلد وفقاً لطموحه الرئاسي والاستحقاق الانتخابي المقبل، محاولاً عبر التيار إقصاء القوى السياسية الأخرى عن المشاركة والتنسيق في ما يخصّ التعيينات ومعالجة الملفات العالقة. ومع فتح كل ملف، يلجأ إلى استراتيجية الكيدية والمناكفة، لتحقيق مآربه.

قرارات أحادية حاول التيار أن يسحر جمهوره بها، معيداً الفضل له في تحصيل الحقوق وإقرار إنجازات “مستحيلة”، موزّعاً التهم على بقية القوى السياسية لتحجيمها.


وكان أبرزها تعيين مدير جديد للتلفزيون الرسمي، الذي لا يزال عالقاً، بسبب المقايضة التي يطالب بها التيار بقبول تعيين مدير للتلفزيون مقابل نقل وزير الاعلام ملحم الرياشي مديرة الوكالة الوطنية للإعلام بالتكليف من مركزها وتعيين موظف بديل عنها محسوب سياسياً على التيار. وأطلق التيار كيل الاتهامات لحزب القوات اللبنانية بعرقلة التعيينات.

كما تفرّد وزير الطاقة والمياه سيزار أبي خليل في إطلاق مناقصة بواخر الكهرباء من دون العودة إلى مجلس الوزراء، وبعد تحويل الملف الى إدارة المناقصات رفضت العرض لانتفاء المنافسة في دفتر الشروط، ولأسباب قانونية ومخالفات عدة. في حين أصر التيار على المضي قدماً متهماً هذه المرة القوات وحزب الكتائب اللبنانية لتقديمهما اعتراضات بعرقلة ملف الكهرباء.

وبرز دور باسيل في الجولة الأوروبية الأخيرة، اليت اعتبرها أساسية في عودة رئيس الوزراء سعد الحريري إلى لبنان، ولا فضل لجهود الدول الأوروبية وحدها. وبعد إقرار مناقصة النفط، أعطى أحقية الإشادة له بعد هذا الإنجاز، باعتباره هو من لاحق هذا الملف منذ بدياته حتى خواتيمه. وجاء مرسوم “ضباط 1994″، التي تعيد مصادر وزارية إقراره إلى مستشاري رئيس الجمهورية، الذين سعوا جاهدين إلى استعجال المرسوم بهذه الطريقة.

ينقلب السحر على التيار، وبدأت مفاعيل الاقصاء تحاصره، في ظلّ إصرار القوات على التعيينات في ما يخص تلفزيون لبنان، رافضاً الكيدية والمقايضة، أو تراشُق التهم التي بدأت تنهال عليه من قبل الكتائب الذي يؤكد أنّ ملف بواخر الكهرباء يشوبه مخالفات وتفوح منه روائح الفساد، وصولاً إلى مواقف الرأي العام الساخرة التي طاولت باسيل بعدما شكر نفسه في موضوع النفط.

وجاء مرسوم الضباط ليطبق الحصار على التيار، بعدما علت صرخة رئيس مجلس النواب نبيه بري ضد إقرار المرسوم، بعد تجاوُز توقيع وزير المال، مستنداً إلى الدستور والطائف، فقابله الرئيس بدعوته إلى القضاء لحسم الخلاف، في ما بدا أنّ الأمور تتأزم مع صديق الحليف، وسط صمت حزب الله. ومن شأن هذه السجالات أن تؤثر سلباً وتقلب موازين القوى على صعيد تحالفات التيار في الانتخابات النيابية المقبلة.

يعود سبب الأزمات التي يواجهها التيار مع مجموعة من القوى السياسية إلى تعاطيه معها على قاعدة أنه لا يزال فريقاً سياسياً ولم يصل بعد إلى رئاسة الجمهورية. وبالتالي لن يستطع أن يميّز بين كونه تبوّأ الموقع الأول في الجمهورية اللبنانية وعليه أن يكون على مسافة واحدة من جميع القوى السياسية، وأن يلتزم ويضع سياسات وطنية بامتياز مستندة للقانون والدستور، وأن يكون المرجعية الأساسية في البلد.

ويبدو أن التعاطي الذي انتهجه التيار بشخص رئيسه ينمّ عن أسلوب استغلال البعد الوظيفي أو موقع الرئاسة لتصفية مجموعة حسابات مع القوى الأخرى، على قاعدة أن كل من يعارض التيار يجب اقفال الطوق عليه لمحاصرته ولجمه وتسديد الضربات بوجهه، وكل ذلك على خلفيات سياسية صغيرة تبدأ بمواقع إدارية، وأبعاد انتخابية، وصولاً إلى انتخابات رئاسة الجمهورية.

ويعتقد التيار أن من خلال هذا السلوك والتصرفات يستطيع تحجيم وتقزيم خصومه من أجل أهدافه الفئوية، علماً أنه ما كان مأمولاً منه بعد وصول العماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية أن يشكل مرجعية وطنية لكل القوى السياسية، باعتماد الدساتير والقوانين.

لكن يبدو أن تطلعات باسيل الفئوية والانتخابية تغلّبت على البعد الوطني، وما يحصل طبيعي جداً على صعيد الخلافات مع القوى، باعتبار أنه لا يتعاطى على قاعدة ومعايير واضحة المعالم مؤسساتياً، بل انتقامية لإبعاد خصومه عن الساحة السياسية.

يعيش التيار في صراع من فئتين: الأول ذو طابع قانوني دستوري لأنه يريد مواصلة الممارسة العشوائية والتحالف مع بعض القوى لأغراض انتخابية وسياسية ضيقة من دون اعتماد المعايير اللازمة، ما أدى إلى خلافات مع القوات. والفئة الثانية مع قوى معارضة وأخرى مع بري، وكان بالإمكان لملمة هذا الخلاف أو استباقه، لكن يبدو أن الأمور تجري وفقاً لقاعدة حسابات منذ الآن، وهو ما سيظهر في رأي بري بالانتخابات الرئاسية المقبلة.

فيفيان الخولي
أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظة © جريدة لبنانون توداي 2017