في ذكرى استشهاد #دلال_المغربي… المرأة التي أقامت الدولة الفلسطينية‎

يوافق اليوم الحادي عشر من مارس ذكرى لأول عملية مقاومة ضد العدو الإسرائيلي في قلب فلسطين المحتلة، حين قامت مجموعة فدائية بالإنزال على شواطئ فلسطين المحتلة، وقاموا باختطاف حافلة إسرائيلية تقل جنوداً، وانطلقت المجموعة الفدائية بالحافلة على الطريق السريع الواصل إلى تل أبيب، وبدأت بإطلاق النار على أي تجمع عسكري أو حاجز إسرائيلي وسط مطاردات قوات الاحتلال بالمصفحات و بالمروحيات الحربية، بينما علم فلسطين يرفرف على مقدمة الحافلة، في مشهد ملحمي مفاجئ للإسرائيليين. ولتنتهي المعركة الأولى في داخل أراضي فلسطين المحتلة لتكتشف القوات الإسرائيلية أن قائد المجموعة، فتاة، بعد أن عراها قائد القوات الإسرائيلية وقتها إيهود باراك أمام عدسات المصورين.

 


هي دلال محمد المغربي ذات العشرين ربيعا، التي ولدت في مخيم صبرا في لبنان، والتي انضمت في سن مبكر لقوات العاصفة التابعة لحركة فتح أثناء دراستها الثانوية، وتفوقت على أقرانها في شبيبة الحركة مما رشحها وبقوة لتكون المفوض السياسي لعملية نوعية خطط لها خليل الوزير المسئول العسكري رقم واحد في فتح.
كان الوزير يهدف من وراء العملية أن تكون ضربة قوية للعدو داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة وفي قلب عاصمته، رد اًعلى الاجتياح الإسرائيلي للبنان في 1978، وما سبقه وما تلاه من اغتيالات ومذابح نظمت ضد الفلسطينيين في لبنان، وعلى رأسها اغتيال القادة الفلسطينيين الثلاث (كمال ناصر وكمال عدوان وأبو يوسف النجار)، وهو ما سيساهم في عودة الإتزان للكفاح الفلسطيني المسلح، وذلك بعد ضربات أضعفته والانشغال الفلسطيني بالحرب الأهلية في لبنان.
اختير للعملية 14 فدائي تتراوح أعمارهم ما بين الـ15 عام والـ200عام وكان على رأسهم دلال المغربي، وسميت المجموعة باسم دير ياسين، وأطلق على العملية عملية كمال عدوان، وبالفعل انطلقت المجموعة مقسمة على قاربين مطاطيين قاموا بالإبحار والمراوغة من البحرية الإسرائيلية لمدة يومين في البحر، فيما أنقلب أحد القاربين، مما أدى لغرق أثنين من المجموعة هما الشهيدين خالدعبد الفتاح يوسف وعبد الرءوف عبد السلام علي.
قامت المجموعة بالإنزال على شواطئ فلسطين المحتلة في منطقة معزولة بين حيفا وتل أبيب، وكما هو بالخطة الموضوعة قابلوا أول حافلة واحتجزوا من بها رهائن وكانوا 38، وقاموا بقيادتها واضعين نصب أعينهم الكنيست الإسرائيلي هدفا ً، وفي طريقهم صادفوا حافلة عسكرية تقل جنود فأوقفوها وسيطروا عليها ونقلو الجنود إلى الحافلة الأولى ليصبح عدد الرهائن68، وأكملوا طريقهم على الطرق السريع الواصل إلى تل أبيب.
وقد روى فيما بعد خالد أبو إصبع أحد المشاركين بالعملية والذي أسر بعد إصابته، أن دلال المغربي خاطبت الرهائن قائلة: “نحن لا نريد قتلكم نحن نحتجزكم فقط كرهائن لنخلص إخواننا المعتقلين في سجون دولتكم المزعومة من براثن الأسر، وأردفت بصوت خطابي نحن شعب يطالب بحقه، بوطنه الذي سرقتموه ما الذي جاء بكم إلى أرضنا؟ وحين رأت دلال ملامح الاستغراب في وجوه الرهائن سألتهم : هل تفهمون لغتي أم أنكم غرباء عن اللغة والوطن !!! هنا ظهر صوت يرتجف من بين الرهائن لفتاة قالت إنها يهودية من اليمن تعرف العربية، فطلبت دلال من الفتاة أن تترجم ما تقوله للرهائن ثم أردفت دلال تستكمل خطابها بنبرات يعلوها القهر: لتعلموا جميعا أن أرض فلسطين عربية وستظل كذلك مهما علت أصواتكم وبنيانكم على أرضها. ثم أخرجت من حقيبتها علم فلسطين وقبلته بكل خشوع ثم علقته داخل الحافلة وهي تردد: بلادي بلادي بلادي لك حبي وفؤادي…فلسطين يا أرض الجدود إليك لا بد أن نعود”.
سيطرت المفاجأة على العدو الإسرائيلي، عند مواجهة أول عملية مسلحة يقوم بها فدائيون فلسطينيون في الداخل، فساهم ذلك في بطئ الاستجابة الإسرائيلية، ولم يتنبهوا للعملية إلا عندما قام الفدائيون بمهاجمة الحواجز العسكرية بطول الطريق السريع(95كم)، فتحركت القوات الخاصة الإسرائيلية مدعومة بالمروحيات العسكرية بقيادة إيهود باراك، ليتمكنوا من محاصرة الحافلة، وذلك بعد نفاذ الذخيرة من المجموعة الفدائية، واستشهاد ستة منهم بالإضافة لإصابة معظمهم وعلى رأسهم دلال المغربي، التي أمرت المجموعة باستمرار الاشتباك وعدم التسليم.
كثفت القوات الإسرائيلية من نيرانها غير عابئة حتى بالرهائن الإسرائيليين، فأسفر هذا عن استشهاد كل أعضاء المجموعة فيما عدا خالد أبو إصبع وحسين فياض الذين حكم عليهما بالمؤبد في السجون الإسرائيلية.
تركت الشهيدة دلال المغربي وصية بخط يدها جاء فيها: “حملت أمانة العمل لإشعال الثورة وتحقيق أهداف شعبي، وقد بدأت سيري لأعاهد الله والوطن والشهداء على الصمود في هذه الطريق المليئة بالأشواك والعقبات والموت، وإني لماضية في الطريق مهما كلفني ذلك من جهد وتضحية ودماء، ولن أتراجع أو أتردد والله خير شاهد، وصيتي لكم جميعا أيها الأخوة حملة البنادق…توجيه البنادق كل البنادق نحو العدو الصهيوني، حيث أن استقلالية القرار الفلسطيني تحميه بنادق الثوار، يا أصحابي لا يهم المقاتل حين يضحي أن يرى لحظة الانتصار، سأراها بعين رفيقي فاستمروا وصونوا الوصية، تحرير كامل الوطن المحتل دون المساومة على أي شبر من الأرض العربية، لا تعترفوا بالعدو الصهيوني حتى تحرير كل التراب الوطني. بلغوا أمي الحنونة وأبي والأخوات يكفكفوا دمعاً حزيناً، صرت بنتا للبلاد وإنها لثورة حتى النصر.”
عادت جثامين دلال ورفاقها في 20088 ضمن صفقة، بمقتضاها أعاد حزب الله اللبناني خمسة أسرى لبنانين وعرب ومئات من رفات شهداء المقاومة، مقابل جثماني جنديين إسرائيليين قتلوا في عملية الوعد الصادق 2006.
اليوم تمر الذكرى الرابعة والثلاثون لاستشهاد دلال ورفاقها، والذي وصف الشاعر العربي نزار قباني قيمة استشهادهم قائلاً: “أن دلال أقامت الجمهورية الفلسطينية ورفعت العلم الفلسطيني، ليس المهم كم عمر هذه الجمهورية، المهم أن العلم الفلسطيني ارتفع في عمق الأرض المحتلة، على طريق طوله (95)كم في الخط الرئيسي في فلسطين”.
الساحة الفلسطينية الآن تشهد صراعا ًبين الفصائل الفلسطينية على حكومة وسلطة تحت الاحتلال، بينما استطاعت دلال المغربي أن تقيم دولة فلسطين على أرض الواقع وتستشهد فيها كما تمنت.

أضف تعليق

اترك رد

جميع الحقوق محفوظة © جريدة لبنانون توداي 2017

تصميم وبرمجة قمة سوفت

%d مدونون معجبون بهذه: