“كوكب الشرق الأوسط بين الدولة والإقطاع/”بقلم الكاتب و الباحث التاريخي أ.عمرو سمبل/ @amro_simbel

 

فى عام  1648 تم توقيع معاهدة فستفاليا  التى فصلت بين عهدين, فقبل توقيع المعاهدة كانت اوروبا تعيش ما يسمى عصر الإقطاع الذى بدأ بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية ووبعد توقيع المعاهدة بدأ عصر ما يسمى الدولة المستقلة ذات السيادة, وتم الإعلان رسميا عن نهاية عصر الإقطاع.

( وكلمة الإقطاع التى نسمعها كثيرا فى مصر اشارة الى مصر الملكية خاصة فى القرن العشرين لا علاقة لها من قريب او بعيد بنظام الإقطاع الذى شاع فى اوروبا, حيث كان النبيل يمتلك الأرض وما عليها من بشر وحيوانات وادوات انتاج ومعدات ومبانى, ولم يكن للمزارعون حق هجرة الأرض, كما ان النبيل كان يمثل وحده السلطة القضائية ويصدر الأحكام كما يمثل ايضا السلطة التنفيذية القائمة على تنفيذ هذه الأحكام ويرثه ابناؤه فى كل ما يملك كما كان له الحق الحصرى لجمع الضرائب وتقديم عطاء سنوى للملك وفى حالة الحرب ولانه لم يكن هناك جيوش نظامية يقوم الإقطاعى بتقديم عددا من مزارعيه وجنوده للخدمة العسكرية ( وهذا النظام لم تعرفه مصر اطلاقا) وان اطلقت اسم الإقطاع على مزايا الإنتفاع بالأرض وملكيتها الذى شاع فى العصر الملكى فى مصر خاصة فى عصر الخديو إسماعيل واستمر حتى قيام ثورة يوليو التى وضعت من اهدافها القضاء على الإقطاع بالرغم من عدم وجود إقطاع بمعناه الحقيقى.

وفى كتابه الرائع ( تجديد جورج أورويل) يقسم المفكر الكبير الراحل جلال امين الحقب التاريخية التى مرت بها البشرية فى الألف عام الأخيرة الى ثلاث حقب..

الأولى هى عصر الأقطاع كما سبق ان بيننا

والثانية هى عصر الدولة المستقلة الذى نشأ مع توقيع معاهدة فستفاليا واستمر حتى نهاية الحرب العالمية الثانية فى 1945, ولذلك تم اختراع ما يسمى الجيش الوطنى وأصبح لكل دولة علم ونشيد وطنى واقتصاد مستقل وعلاقات دولية معقدة وتطلب ذلك توقيع المئات من المعاهدات التى تنظم علاقات الدول ببعضها البعض.

اما الحقبة الثالثة وهى التى نعيش أوجها حاليا فهى حقبة الشركات…فبدأ افول نجم عصر الدولة المستقلة نتيجة لأسباب كثيرة منها التطور التكنولوجى الفائق الذى شهده العالم خلال الخمسين سنة الماضية وتطور وسائل النقل والأنتقال والتجارة وحركة رؤوس الأموال واصبحت الشركات العابرة للقارات هى التى تتحكم فى مصير الإقتصاد وتحرك السياسة او تستخدمها لتنفيذ المكاسب الإقتصادية وقد وصل الأمر بتلك الشركات ان اصبحت قادرة على صنع الحروب والمجاعات وتقويض اى فرص لأى دولة تريد ان تتقدم اقتصاديا بل واستطاعت ان تفرض العقوبات على الدول نفسها عن طريق استخدام السياسيين الذين اصبحوا مثل الأراجوزات او الدمى الصغيرة فى يد النخبة المسيطرة على تلك الشركات عابرة القارات..وتدريجيا حلت الشركة محل الدولة ..فقديما كان الملك يوسع من حدود مملكته بضم دول اخرى عن طريق الغزو اما الشركة الأن فلا تفعل سوى توسيع دائرة ممتلكاتها عن طريق القضاء على القطاع العام وتشجيع تيار الخصخصة وتستولى على الشركات المحلية بسهولة دون الحاجه الى جيش او شراء اسلحه. وليس من المستغرب ان نعرف ان هناك خمس شركات فقط هى المسيطرة على صناعة السلاح فى العالم أجمع..وعشر شركات فقط تكاد تسيطر على كل ما يستهلكه العالم من المواد الغذائية والمشروبات والملابس والسيارات و مستحضرات التجميلو واصبح راس مال كل شركة من تلك الشركات اكبر كثيرا من اضعاف اضعاف ميزانيات الدول.

فإذا عدنا الى كوكب الشرق الأوسط  ( ولا اقصد هنا ام كلثوم بل المنطقة العربية المنكوبة) نجد ان التطور الذى لحق به هو تطور شكلى فقط فقد انتقلت المنطقة شكليا الى عصر الدولة ثم الى عصر الشركات الشرس الذى لا يعرف سوى مكاسبة المادية دون رحمة او رأفة بالشعوب المغلوبة على أمرها, ولكن فى الجوهر نحن لازلنا نعيش فى عصر الإقطاع بمعناه الحقيقى الذى كان مطبقا فى اوروبا فى العصور الوسطى..فالرئيس او الملك يمتلك كل السلطات ويمتلك الجيش والشرطة ويتحكم فى مصائر الأقنان ( الشعب) فتصدر الأحكام بالسجن او الإعدام دون محاكم حقيقية او محاكمة حقيقية…ويصادر الرأى ويقتل ارادة اصحاب الفكر والأراء فقط لأنهم يعارضون سياساته, ويفرض الضرائب حسب ارادته الشخصية بلا تقديم اى مقابل خدمى لما يدفعه الشعب من ضرائب…ويستخدم الدين ومن يسمون انفسهم رجال دين لخدمة اغراضه فى خداع الشعب وتطويعه لارادته الشخصية..وكما كان البيل يرثه ابناؤه..فاصبح نظام التوريث هة الشائع فى كوكب الشرق الأوسط بطريقة مباشرة او غير مباشره ..وكما كان للنبيل فى عصر الإقطاع حاشية تخدمه اصبح لكل رئيس او ملك او سلطان حاشية ووسائل اعلام وصحف واجهزة تجسس على الشعب تخدمه وتروج لسياساته بلا اى وازع من ضمير او اخلاق…

وللمقال بقية اذا شاء الله.


ليبانون توداي 30/9/2018

عمرو سمبل /كاتب و باحث مصري

 

 

 

أضف تعليق

اترك رد

جميع الحقوق محفوظة © جريدة لبنانون توداي 2017

تصميم وبرمجة قمة سوفت

%d مدونون معجبون بهذه: