لبنان محكوم بـ “انعدام الوزن” السياسي

ليستْ المرّة الأولى يختصر فيها رئيس البرلمان نبيه بري الواقع اللبناني بموقفٍ يحمل «بين سطوره» خفايا وقائع وتطوراتٍ حصلتْ ويرسم ملامح المرحلة المقبلة من الأزمة السياسية – الدستورية التي تغرق بها البلاد منذ بدء عهد «الفراغ الرئاسي» في 25 مايو 2014.

فبري تشهد علاقته بزعيم «التيار الوطني الحر» العماد ميشال عون حالياً «سجالاً على المكشوف» بعدما حمّله «الجنرال» مسؤولية «رعاية» عملية إظهاره «وحيداً» في معركته لوقف مسار التمديد للقادة العسكريين و«تعطيل اللغم» الذي كان زرعه (اي عون) في طريق الجلسة الأخيرة للحكومة التي قاطعها وزيراه بموازاة رفْعه شعار ان اي انعقاد لها في غياب «التيار» يعني «ضرباً للميثاقية»، وهو ما أراد عون ان «يقطف» ثماره في السباق الرئاسي الذي يخوضه من خلال «إصابة عصفوريْن بحجر واحد»: الأوّل انتزاع اعتراف بأنه «ركن الميثاقية» في المقلب المسيحي وان اي امتناع عن انتخابه رئيساً يعني طعناً بها. والثاني «قطع ورقة» لقائد الجيش العماد جان قهوجي الذي يُعتبر التمديد المرتقب له (تنتهي خدمته في 30 سبتمر المقبل) في سياق إبقائه «ورقة مستورة» ليكون هو «رئيس التسوية» التي يمكن ان تفرضها تحولات المنطقة.

وفي ظل هذه الوضعية «الاشتباكية» بين عون وبري الذي يرفض حتى الساعة وصول الاول الى الرئاسة، أطلّ رئيس البرلمان في حديث صحافي ليقول رداً على سؤال «هل فعلاً هرب الرئيس سعد الحريري من مبادرة الامين العام لـ»حزب الله»السيد حسن نصرالله لانتخاب عون رئيساً، مقابل الحريري رئيساً للحكومة؟: «من قال إن هذه هي المبادرة؟ السيد حسن قال إنه منفتح، لكنّ الحقّ على من كان يترجم كوزير الداخلية نهاد المشنوق، بأن الحريري جاهز لانتخاب عون. القرار الرئاسي ليس محلياً، وموضوع الجنرال عون عند السعوديين، وهذا معروف».

وقرأت دوائر سياسية موقف برّي على انه ينطوي على محاولة للتخفيف من وطأة المغازي المعنوية والسياسية لإدارة الحريري الظهر لما طرحه نصر الله، والذي لم يرْقَ الى مستوى المبادرة، كما جاء ليؤكد ما اشتّمته أوساط مطلعة حينها من ان خلفيات هذا «العرْض» تتصل بالرغبة بتحقيق هدفيْن متلازميْن:

الأول توجيه رسالة الى عون بأن «حزب الله» يساعده عملياً بمعركته ويزيح من أمامه عقبة في تَواصُله مع الحريري الذي لا يمكن تَصوُّر ان يكون «الجنرال» يطلب منه تأييد انتخابه فيما الحزب يرفع البطاقة الحمراء امام توليه رئاسة الحكومة، فكان كلام نصر الله بمثابة «فتح نصف باب» لأن القرار النهائي بعودة زعيم «المستقبل» الى رأس السلطة الثالثة مرتبط بالاشتباك الايراني – السعودي الكبير بالمنطقة و«رؤية» حزب الله للواقع اللبناني في ضوء نتائج هذا الاشتباك وآفاق الحرب السورية.

اما الهدف الثاني فهو محاولة ردّ تهمة تعطيل الانتخابات الرئاسية عن «حزب الله» ورمي هذه «الكرة» في ملعب الحريري ومن خلفه السعودية على قاعدة انه رغم عدم ممانعة الحزب وصول زعيم «المستقبل» الى رئاسة الحكومة فإنهما لا يوافقان على عون رئيساً.

ومن هنا، عكس كلام بري استمرار الأفق الرئاسي مقفلاً حتى إشعار آخر وهو ما يجعل «اندفاعة» عون التصعيدية بالملف الحكومي بمثابة «قفزة بالهواء» يُرجح ان يحشر نفسه معها «في الزاوية» في ظلّ عدم قدرته على وقف التمديد «المحسوم» لقهوجي والذي يحظى بغطاء من كل القوى السياسية، فيما يبدو اي انسحاب من الحكومة لإسقاطها محكوماً بحسابات رئاسية بالكامل اذ ان ذلك قد يكون بمثابة «إطلاق رصاص بالرأس» في طموحاته الرئاسية. اما الشارع فيبدو اللجوء اليه محفوفاً باعتبارات عدة أبرزها الخلافات «المتدحرجة» داخل «التيار» والتي يمكن ان تنعكس على «المشهدية» الشعبية التي يريدها.

وتبعاً لذلك، وعلى وقع مواصلة رئيس «التيار الحر» جبران باسيل لغة «ملعون الحوار والنقاش وأيّ تفكير وطني إذا أرادوا التعاطي معنا على اننا غير موجودين على الطاولة»، تتجه الأنظار لما ستحمله جلسة الحوار الوطني التي تنعقد بضيافة بري في 5 سبتمبر واذا كان فريق عون سيحضرها، وسط اعتبار دوائر مراقبة ان تقديم وزير المال علي حسن خليل (من فريق بري) مشروع موازنة 2017 الى رئاسة الوزراء قد يضيف مادة سجال جديدة بين بري وعون باعتبار ان توقيت رفْعها في ظل «حركة الاعتراض» العوني ربما يكون رسالة جديدة الى ان «القطار يسير بمَن حضر».

الراي

2016 – آب – 28
أضف تعليق

اترك رد

جميع الحقوق محفوظة © جريدة لبنانون توداي 2017
%d مدونون معجبون بهذه: