لماذا استهداف المدارس الكاثوليكية؟

ماذا يجري داخل قطاع التعليم الخاص وتحديدا داخل المدارس الكاثوليكية؟ من وراء الحملات التي تشن على إدارات هذه المدارس ولماذا يُفتح بين الحين والآخر ملف فضائحي مالي في حق مدرسة كاثوليكية أو إحدى الرهبانيات اللبنانية؟ هل المسألة وليدة ظروف إقتصادية أو ممارسات فردية خاطئة من داخل الرهبانيات، أم أن هناك متضررون كانوا يستفيدون من بعض التلزيمات داخل هذه المدارس التابعة لإحدى الرهبانيات؟ وهل قضية الست درجات هي التي فضحت المستور؟ ربما هي كل من ذلك لكن الأهم أن المدارس الكاثوليكية تبقى القلاع التي عليها تستند غالبية طلاب لبنان والملجأ المنيع والحصين لبقاء المسيحيين لا سيما أنها تساهم في توفير الوظائف لنسبة لا يستهان بها من اللبنانيين.

من يدرك ذلك؟ قداسة البابا فرنسيس قرأ المضامين المبطنة والمكشوفة لهذه الرسائل، فكانت الدعوة إلى تجديد الإيمان داخل الرهبانيات اللبنانية وإقصاء العقول التجارية. وعلى هذه القاعدة التربوية الإيمانية إنطلق قطار السنة الدراسية، لكن بعض المقطورات خرجت عن السكة فٌأٌطلقت صفارات الإنذار ومنها عن طريق الخطأ.

مع بداية السنة الدراسية كان الخوف لدى الأهالي من حصول تعديل في المواعيد أو أقله أن تكون «الأجندة» مكحَلة بحبر الإضرابات على خلفية الإشكاليات التي حصلت نهاية العام الماضي على خلفية الدرجات الست ومطالبة نقابة التعليم الخاص بإعطاء الزيادة للأساتذة، مما يعني زيادة إضافية على الأقساط بعد الزيادة التي تكبدها الأهالي في المدارس الخاصة كمفعول رجعي على قرار سلسلة الرتب والرواتب. وراوحت نسبة الزيادة على القسط الأخير من العام الدراسي الفائت بين 400 ألف ليرة و500 ألف بحسب تصنيف المدرسة وعدد التلامذة فيها.

مرّ القطوع وانطلق العام الدراسي لكن الخبطة كانت في فتح ملفات مالية على الهواء في حق بعض المدارس التابعة لرهبانيات لبنانية إضافة إلى الأخبار المتداولة عن نية بعض الرهبانيات بيع أو تأجير إحدى فروع مدارسها وتحويلها إلى مدارس علمانية. وآخر الفصول، وربما ليس آخرها الكلام عن مفاوضات كانت تجري بين إدارة ليسيه عبد القادر في منطقة زقاق البلاط لاستئجار مبنى معهد الآباء الأنطونيين بهدف بيع عقار ليسيه عبد القادر. فقامت قيامة الطلاب والأهالي والجسم التعليمي ولم تقعد إلا بعد نفي كل الأخبار التي تم تداولها وعودة الطلاب إلى مقاعدهم الدراسية. لكن هل يكون الحل نهائيا أم أن الحل الذي نشر على الهواء هو مجرد مسكنِّ في انتظار انتهاء السنة الدراسية؟ ولماذا انتقلت الحملة من أزمة تأجير مبنى إلى ملفات مالية وفضائح عن تلزيمات ورواتب خيالية يقبضها القيمون على إدارة المعهد الأنطوني في بعبدا؟

هي ليست القضية الأولى التي تحاول النيل من المدارس الكاثوليكية وقد لا تكون الأخيرة ولسنا في وارد الدفاع أو الإتهام. لكن السؤال الذي يطرح، لماذا انتقلت الأزمة من سلسلة الرتب والرواتب والدرجات الست إلى صلب إدارات المدارس الكاثوليكية؟ وهل المطلوب النيل من آخر صرح تربوي في الوطن ووضعه على مشرحة التشهير بهدف ضربه والقضاء على مستقبل ثلث طلاب لبنان؟

مصادر ملمة في الشأن التعليمي أوضحت أن هناك مجموعة من العوامل اجتمعت وولّدت الإنفجار في حق المدارس الكاثوليكية إضافة إلى الهجمة على إدارات هذه المدارس التي تديرها رهبانيات لبنانية، أبرزها الوضع الإقتصادي الكارثي الذي تزامن مع ارتفاع الأقساط المدرسية وبشكل عشوائي في بعض المدارس مما أدى إلى انفجار شعبي. ويتمثل العامل الثاني في الحالة التي تمثلها المدارس الكاثوليكية كونها تشكل أكبر صرح تربوي يحتضن آلاف التلامذة إضافة إلى الموظفين العاملين فيها سواء في القطاع التعليمي أو الإداري أو المهني. وأي انهيار يطال هذا المعقل التربوي سيؤدي إلى انحدار المستوى التعليمي والتربوي لدى الطلاب ودفع عدد كبير من الأساتذة إلى الهجرة أو الإنتقال إلى ضفة عملية أخرى.

قد تكون هذه العوامل من الأسباب التي أدت إلى تفشي ظاهرة التشهير ونشر الفضائح الموثّقة في بعض الأحيان على الهواء في حق إدارات بعض المدارس الكاثوليكية. لكنها تبقى عوامل غير أساسية، لأن الأساس يكمن في وضع الإصبع على الجرح. وهذا الجرح الذي ينزف منذ أعوام لا يطال كل الجسم التربوي في المدارس الكاثوليكية إلا إذا كان المقصود التعميم وضرب هذا الصرح، وفي التعميم تعمية. وكان من الأجدى التصويب على المشكلة التي تكمن في ممارسات فردية خاطئة. وإذا سلمنا جدلا بأن هذه الممارسات الفردية الخاطئة أدت إلى حصول تشنجات لدى الأهالي والطلاب يضاف إليها الدرجات الست التي فجرت الأزمة بين إدارات المدارس الكاثوليكية والأهالي بسبب عجزهم عن تسديد الأقساط، فهل يجوز وضع كل إدارات المدارس الكاثوليكية في سلة واحدة والتصويب على الرهبانيات ونشر الملفات عبر وسائل الإعلام بدلا من رفعها والإدعاء على المخالفين لدى الرهبانيات العامة؟

من الواضح أن هناك تضخيم في الأخبار لأن الصورة الحقيقية تكمن في ممارسات خاطئة لبعض الآباء من خلال السياسة التي اتبعوها في مدارسهم إن على مستوى التوسع في الإنشاءات أو الأنشطة الرياضية والثقافية أو على مستوى تلزيم مشاريع لأشخاص مقربين منهم، مما أدى إلى طرح علامة استفهام على بعض الموازنات العامة. وارتفع منسوب الشك مع انعكاس ذلك على الأقساط المدرسية خصوصا أن الكنيسة كانت ولا تزال وستبقى أم الفقراء. هذا الواقع دفع بعدد كبير من الأهالي إلى سحب أولادهم من المدارس الكاثوليكية وتسجيلهم في المدارس الرسمية التي شهدت هذه السنة اكتظاظا في عدد التلاميذ المسجلين لا سيما في المرحلتين الإبتدائية والمتوسطة، بعدما كانت تقتصر على المرحلة الثانوية. ناهيك عن الخلل الذي فرضه هذا الواقع وانعكاسه على نفسية التلاميذ.

أصداء الممارسات الفردية داخل بعض المدارس الكاثوليكية وصلت إلى أعتاب الكرسي الرسولي فكانت خطوة قداسة البابا فرنسيس التمعن في قراءة كل هذه الملفات والدعوة الى تجديد الإيمان وإقصاء العقول التجارية من داخل الرهبانيات. وهذه الخطوة لم تقتصر على الرهبانيات في لبنان وحسب إنما في كل دول العالم. وانعكس ذلك إيجابا على الإصلاحات التي تم تطبيقها تحت الأضواء داخل الرهبانيات والمؤسسات التابعة لها. لكن ثمة قواعد لا يمكن التراجع عنها لا سيما في مسألة مواكبة عصر التكنولوجيا والتطور وكل ذلك يفترض تقنيات ومستلزمات قد تدفع بإدارات بعض المدارس الخاصة التابعة لرهبانيات لبنانية إلى تسديد فواتيرها من خلال زيادة نسبة معينة على الأقساط. وتفاديا للخسائر الفادحة عمدت إدارات بعض المدارس التي تعتمد سياسة تسديد العجز في فروعها لا سيما في المناطق النائية إلى إقفالها أو تأجيرها.

في اللقاء الأخير الذي جمع أمين عام المدارس الكاثوليكية ورؤساء المدارس الكاثوليكية مع البطريرك مار بشارة بطرس الراعي في بكركي تم الإتفاق على اقتراح القانون الذي نص على منح الدرجات الست للثانوي. الإقتراح لا يزال اقتراحا وفي الإنتظار لا بد من التمييز بين مفهوم التعميم والتعمية لأن الإيمان الذي نشأت عليه الرهبانيات اللبنانية لا يزال مصدر الإلهام في صروحها ومؤسساتها التربوية على رغم وجود ممارسات فردية خاطئة. «ومن منكم بلا خطيئة فليرجمهم بحجر».

وقبل أن يختم المصدر ذكَر بأبرز النقاط التي وردت في التوصيات التي صدرت في اختتام اعمال المؤتمر السنوي الـ25 للمدارس الكاثوليكية الذي عقد في مطلع أيلول الماضي بعنوان «إستمرار المدرسة الكاثوليكية: شروط وتطلعات»، ومما ورد فيها: «تجاوبا مع تعاليم الكنيسة، وبخاصة الوثيقة الأخيرة بعنوان «التربية على الأنسنة المتضامنة»، وتماشيا مع نداءات البطريرك مار بشاره بطرس الراعي حول إلزامية العمل معا للمحافظة على خلود المدرسة الكاثوليكية، وفي ظل الواقع الاقتصادي المتأزم والذي ازداد تعقيدا مع إقرار القانون 46/2017، من دون أن يأخذ في الاعتبار المترتبات والتداعيات الناتجة عن تشريعه، وأمام حملة التشكيك بصدقية المدرسة الخاصة، وتحديدا المدرسة الكاثوليكية، وتنوع الإضطهادات التي تعصف بالجسم التربوي وغياب أي إعالة للأهلين من الدولة، وفي ظل دستور لبناني يكرس حرية التعليم والنظام التعددي، وانطلاقا من مبدأ ضرورة إستمرار المرفق العام، زد على ذلك حرص مدارسنا على عولمة الرجاء وتكوين الإنسان والتدرب على إدارة التنوع وعلى تعميق التعاون والتضامن، تجدد عائلة المدارس الكاثوليكية في لبنان إلتزامها المشاركة في الرسالة الإلهية من خلال العمل التربوي وخدمة جميع فئات المجتمع اللبناني وإستمرار مساهمتها في بنيان حضارة المحبة في الثقافة اللبنانية.

وإنطلاقا من هذا الواقع، وأمانة لهذه الثوابت، سعت مدارسنا، ومنذ انطلاقها وحتى اليوم، وفي جو من الحوار، إلى الحفاظ على تلامذتها وعدم تشريد كوادرها وهيئاتها التعليمية، والوقوف إلى جانب الأهلين ومساعدتهم ليس فقط على تربية أولادهم، ولكن أيضا على عدم حرمانهم التعليم النوعي وجودة التعليم». ومن له آذان صاغيتان فليسمع ويتعلّم.

 

جمانة نصر

أضف تعليق

اترك رد

جميع الحقوق محفوظة © جريدة لبنانون توداي 2017

تصميم وبرمجة قمة سوفت

%d مدونون معجبون بهذه: