معركة إدلب: هواجس أوروبية ـ لبنانية وابتزاز حكومي/ بقلم روزانا رمال/ @RosannaRammal

يوماً بعد الأخر تتكشّف دقة معركة إدلب وتوخي الحذر من كافة الأطراف واللاعبين الدوليين من مغبة إطلاق ساعة صفر نارية تقضي على أخضر المفاوضات ويابسها بعد أن ساءت العلاقة بشكل ملحوظ بين الأميركيين والروس في الأيام الأخيرة، مع رفع واشنطن منسوب التحدّي بوجه موسكو بعقوبات جديدة على الأخيرة في الوقت الذي لا تبدو فيه روسيا مستعدة للتراجع مع حليفتها صاحبة الارض سورية وإيران حيث التكامل المصلحي والاستراتيجي.

وفي الحديث عن معركة إدلب تبدو تركيا ـكثر المعنيين بعد سورية بالملف والأكثر قدرة على التأثير في سير العمليات نظراً لمتابعتها الاستخبارية المباشرة والدؤوبة للمجموعات الإرهابية من جهة طيلة سنوات الحرب نظراً لاشتراكها مع إدلب بحدود 130 كلم، ومن جهة أخرى بتقديمها دعماً لوجستياً واسعاً للمعارضة المسلحة بمختلف انتماءاتها من أجل تحقيق الغرض الأساس. وهو إسقاط النظام، بالتالي فإن أكثر المعنيين بواقع المعارضة تبقى أنقرة وأكثر الجهات القادرة على التأثير بالعمليات العسكرية وتقصير مدة الاقتتال وحدها كذلك.

لكن وبالرغم من إعلان تركيا تصنيف جبهة النصرة التنظيم المسلح الأكبر تنظيماً إرهابياً بمرسوم رسمي إلا ان التساؤل حول جديتها بقتاله وتسليمه مع باقي المجموعات لا يزال يحول دون الاطمئنان للموقف التركي الأخير، لأن هذا الإعلان الذي يشرع قيام عمليات مسلحة ضد التنظيم نفسه خاضع للمصلحة التركية العليا القابلة لأن تناور قبل ان تفاوض.

السؤال عن سياسة تركية موازية مع الأميركيين والروس يُطرح جدياً في هذا الظرف السياسي والاقتصادي الحاشر الذي تعيشه تركيا والذي من شأنه خفض شعبية الرئيس التركي رجب طيب اردوغان في سنته الأولى بعد التعديل الدستوري الرئاسي، اي ان انخراط تركيا بعملية عسكرية شاملة مع روسيا من دون العمل على الاستثمار في الملف مع الأميركيين لرفع العقوبات الأميركية وإعادة الليرة التركية الى سابق عهدها هو غريب ويعني اصطفافاً تركياً مع روسيا وإيران بشكل كامل. وهو الأمر الذي لم يحصل بعد لهذا يصبح الضغط الأميركي على تركيا معروف الأسباب والأبعاد وقد أتى على مقربة من عملية إدلب وفي اللحظات التي اخذت بها انقرة تتقرب أكثر من مجموعة سوتشي وحلف إيران وروسيا. وهي لحظة تعني التفافاً إقليمياً ضد المصالح الأميركية في سورية والمنطقة من ورائها.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش حذّر أكثر من مرة من مغبة شن هجوم شامل على إدلب، معتبراً أن المحافظة الواقعة في شمال غرب سورية والخاضعة لسيطرة فصائل إرهابية مسلحة يجب أن لا تتحوّل إلى حمام دم وإن شن هجوم شامل على إدلب سيطلق العنان لكابوس إنساني لم يسبق له مثيل في الصراع السوري الدموي».

التحذيرات هذه إنما توضع ضمن تأكيد أن العملية تعني تطهيراً واسعاً للمجموعات المسلحة وتأكيداً على أن عدداً كبيراً من القتلى سيقع، لكن هذا التحذير يعني أيضاً اعتبار هذه المجموعات جزءاً من المعارضة لا إرهاباً يجب التخلص منه والكلام الأممي التحذيري يوحي وكأن الرغبة الأممية هي عدم استكمال شروط الشروع في العملية العسكرية أي استمرار الاستنزاف، لأن الامم المتحدة لم تتوصل حتى اللحظة الى سبيل ناجح من التسويات القادر اعتبارها جهة فاعلة في النزاع وحقن الدماء.

الخطير في إدلب أنها باتت تجمع المعارضين الإرهابيين عند كل معركة منذ بدء استرجاع النظام لمحافظاته. فإدلب كانت ملاذاً آمناً لهم حتى وقت قريب لهذا السبب الخشية من فرار مسلحين الى دول الجوار كبيرة من بينها تركيا التي تخشى من آلاف الفارين اليها والقلق متبادل ايضاً من الجهة الاوربية، حيث تشير المعلومات إلى أن أجهزة الاستخبارات الاوروبية لا تستبعد فرار مئات الآلاف اليها. وهذا من شأنه ان يرفع أسهم التروي في العمليات ومن شأن اتخاذ قرار معركة يجد البعض فيها مستنقعاً لروسيا وإيران وسورية باعتبار قرار التخلص من الإرهابيين إن اتخذ سيكون كفيلاً بإلقاء المسؤولية على عاتقهم وتخليص العالم غير المستعد لتقديم خسائر بشرية بين جيوشه.

القلق لا يغيب عن لبنان اذ تشير مصادر» البناء» الى مخاوف كبيرة بهذا الإطار فإن شيئاً لن يحمي لبنان من مخاطر التسلل الى أراضيه واختباء بعض القيادات في مخيمات فلسطينية، ما قد يرفع منسوب المخاطر واندلاع اشتباك مع القوى الأمنية او فتح معارك او حتى انتقام مباشر على الساحة اللبنانية، خصوصاً أن لحزب الله دوراً مباشراً في الحرب السورية، تختم المصادر.

المراوحة الحكومية مع كل هذه الاحتمالات توضع ضمن انتظار معركة إدلب الحاسمة وانتظار إمكانية استخدام لبنان ورقة نار جديدة لخلط الأوراق والابتزاز السياسي من القوى المعنية بالتوازي مع ورقة العراق المفصلية. وعلى هذا الأساس يصبح تحدي إحداث خرق في الحكومة اللبنانية وفصلها عن مسار المنطقة تماماً كما نجح لبنان بفصل المعركة الرئاسية وانتخاب رئيس أخيراً بعد سنتين من الفراغ أكثر الإنجازات القادرة على اعادة بعض التوازنات الإقليمية. فلبنان بورقة حزب الله صار لاعباً مؤثراً في حسابات المحاور المتقاتلة وصار ورقة ابتزاز فعالة حبذا لو ينجح الأفرقاء المحليون بحمايته منها.

أضف تعليق

اترك رد

جميع الحقوق محفوظة © جريدة لبنانون توداي 2017

تصميم وبرمجة قمة سوفت

%d مدونون معجبون بهذه: