منظومة القيم: هكذا أخطأ حزب الله!

هي لعبة السياسة، أينما كانت تتعاطى معها الأطراف السياسية كلعبة مصالح. وجود معايير ومبادئ لها والقدرة على المحافظة عليها في السلوك السياسي، وجعلها السقف الذي يُمنع تخطيه، هو من الأمور الصعبة، والتي قد يجدها البعض مُستحيلة، بل يُبررون خرقها في السياسة تحديداً لأنها بنظرهم كما قلنا: لعبة مصالح. لكن هناك من تمرَّد على هذه النظرية. وحده حزب الله من خلال منظومة القيم التي يمتلكها، تمرَّد على هذه النظرية التقليدية السائدة. هكذا أخطأ حزب الله!

 

بشكل مُجرَّد وبعيد عن الإنتماءات، نحن نتحدث اليوم عن حزبٍ مُخضرم، ليس وليد الأمس. بل عادة عند تقييم الأطراف ومنها الأحزاب، يُضاف الى عدد سنين عملها، تجاربها والتحديات التي واجهتها. فيما يخص تجربة حزب الله، فهي كبيرة جداً، حيث اختبر فيها الكثير من التحديات وعلى أصعدة كافة. ولأن الصعيد السياسي يمكن أن يكون نقطة التقاء الجوانب الأخرى، سنُشير وبشكل موجز الى بعض المسائل التي تتعلق بمنظومة قيم حزب الله، والتي يتفق عليها أغلب الخبراء، كمُسلمات في تعاطي حزب الله. وسنُبرز علاقة هذه القيم بمقومات الدولة والأمن القومي اللبناني:

 

مارست الطبقة السياسية عقلية اقتسام الحصص دون أن تكون بعيدة عن استغلالها لتواضع حزب الله لما يُقارب العقدين من الزمن

أولاً: ساهم تصدي حزب الله المُستمر للتهديدات العسكرية من خلال المقاومة، الى طرح اشكالية مكانة الحزب في النظام السياسي. يرتكز بعض أصحاب النوايا السيئة، الى قدرة حزب الله على لعب أدوارٍ عسكرية أكبر من الدولة، للدلالة على تعارض سلوكه مع مصلحة الدولة. لا يعرف هؤلاء أن مقاربة المقاومة كتجربة تؤدي للإعتراف بها كواقع غير مُعتاد في تجارب الدول، لكنه يُمثل في ظروف دولة هشة كـ “لبنان”، نقطة قوة لبقاء سيادة الدولة وبالتالي يُعزز أمنه العسكري كجزء من أمنه القومي. أثبتت التجربة ذلك حيث نجح الحزب في ممارسة الواقعية السياسية، خصوصاً في احترام أجهزة الدولة والتنسيق معها، فيما بقي أصحاب النوايا السيئة ضمن لعبة التجاذبات غير الواقعية.

ثانياً: ليس بعيداً عن النقطة الأولى، ساهم هذا التصدي في إبقاء حزب الله بعيداً عن إدارة الدولة. مارست الطبقة السياسية عقلية اقتسام الحصص دون أن تكون بعيدة عن استغلالها لتواضع حزب الله لما يُقارب العقدين من الزمن. أخطأ الحزب في ممارسته النزاهة غير المُعتادة كما يقول البعض. هو في الحقيقة نجح في إثبات إمكانية ممارسة السياسة بمصداقية ووفاء.

ثالثاً: لم يستخدم الحزب تجربته العسكرية إلا في حالات دفاعية وعن لبنان كوطن. وبالتالي لم يُتقن حزب الله امتلاك القوة فقط، بل استطاع ادارتها. والثانية كقيمة هي الأهم من الأولى. ادارة القوة، حيث تبقى بعيدة عن التجاذبات الداخلية، ووجهتها مُحددة الهدف، فقط ضد العدو، ولا أعداء لحزب الله في الداخل. قناعة أساسية لدى الحزب تُضاف الى تجربته العريقة، مما جعل تحييد لغة القوة في مقاربة تحديات الواقع اللبناني تُشكل بحد ذاتها نقطة قوة للوطن، ولأمانه الإجتماعي والسياسي.

رابعاً: فيما يخص العمل السياسي يعتمد حزب الله لغة الممكن والواقعية السياسية. السلوكيات يجب أن تنطلق من أسس موضوعية. يُثبت ذلك مدى فهم الحزب للواقع اللبناني ضمن المحيط الجيوسياسي والتحديات السياسية والأمنية والعسكرية، بالإضافة الى فهمه لحجمه وقدراته ودوره. وهنا فإن مقاربة تحالف حزب الله الإستراتيجي مع أطراف إقليمية، يجب أن تتوافق مع متطلبات الواقعية السياسية. فمن جهة، يجب إدراك أن مطامع الدول الكبرى بلبنان والمنطقة تُبرر أهمية وجود حلفاء إقليميين لأي طرف. لكن، ومن جهة أخرى، يجب الإعتراف بأن المشكلة ليست بالتحالفات، بل بتوجهات هؤلاء الحلفاء الإقليميين أو الدوليين، وقدرة الأطراف الداخلية على تجييرها لخدمة المصلحة اللبنانية. أثبتت التجربة أن حلفاء حزب الله، لم يستغلوا حجم الحزب في بيئته المحلية، على عكس حلفاء البعض، الذين هم ليسوا فحسب الأطراف الطامعة بلبنان، بل يعتمدون منطق السيد والعبد. هذا الفهم لدى حزب الله، يُشكل سبباً لمحاربته حيث من غير المقبول وجود طرفٍ قادر على اتخاذ القرار. كيف اذا أضفنا الى القدرة سمة الإستقلالية؟

خامساً: تكاملاً مع ما تقدم، لم تمنع الهوية الدينية، حزب الله من ممارسة خطابٍ سياسي وطنيٍ بإمتياز. وبالتالي استخدم الحزب ما يمتلكه من قيم أيديولوجية في تعزيز سلوكه الوطني. كان دوماً الداعي الى مقومات الأمن الإجتماعي من الوحدة والتعايش. والعدالة في المعيشة والفرص كأساس للأمن الإقتصادي. يستخدم في طرح ذلك دوماً، خطاباً متوازناً وحضارياً.

إذاً، هي لعبة السياسة والفارق يقع عند اللاعبين. أخطأ حزب الله في امتلاكه منظومة قيم. وأمعن بخطئه عندما مارس القدرة على العمل السياسي ضمن سقف هذه المبادئ والقيم. هو في الحقيقة نجح في تقديم نموذجٍ لبناني فريدٍ ومُغاير. نموذجٍ لم يستطع أحدٌ حتى اليوم مقاربته بواقعية، حيث ما يزال الجميع يقدمه بصبغته العسكرية والسياسة التقليدية. اليوم، يعيش لبنان معضلة عقدة تشكيل الحكومة. هم أنفسهم أصحاب النوايا السيئة، يُقدِّمون حزب الله على أنه المُعرقل. هي في الحقيقة مشكلة الحزب وخطأه في ممارسة الوفاء. هي منظومة القيم النموذجية التي أخطأ حزب الله في اعتمادها!؟

 

 

محمد علي جعفر

أضف تعليق

اترك رد

جميع الحقوق محفوظة © جريدة لبنانون توداي 2017

تصميم وبرمجة قمة سوفت

%d مدونون معجبون بهذه: