عاجل

من هم الذين يسيئون للإسلام؟ بقلم زيد النابلسي

لكل من يتهمونني بالإساءة للإسلام، سأحسم هذا الموضوع بشكل نهائي بأن أقول لهم أن هنالك صورتان وفكرتان وروايتان مختلفتان ومتضادتان عن دين الإسلام:

الأولى هي إسلام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كما جاء في القرآن الكريم…

والثانية هي إسلام الأحاديث “الصحيحة” كما جاء في كتب الحديث والسيرة التي كتبها أصحابها بعد مئات السنين من وفاة الرسول…

أنا شخصياً أعتقد بالصحة التاريخية للإسلام الأول، وهو يمكن إيجازه بكل بساطة كالآتي (سأقتبس مفرداتي من القرآن نفسه):

الإسلام في نظري واعتقادي هو الذي يقول لنا أن سيدنا محمد بُعِث ليُخرِج الناس من الظلمات إلى النور، وليجادلنا بالتي هي أحسن، فهو ليس فظاً غليظ القلب، بل هو على خلقٍ عظيم، بُعِثَ ليُتَمِّم مكارم الأخلاق، ويدعو الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، فلا إكراه في الدين، ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ومن ينقلب عن الإسلام لن يضر الله شيئا، فما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، ونحن لا نفرق بين أحدٍ من رسله، وأصحاب الديانات الأُخرى لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون، فالله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء اليتامى حقهم وبالوالدين إحسانا، لأنه خلقنا من ذكرٍ وأنثى، وأمرنا بالتقارب والتعارف مع الشعوب والقبائل والديانات الأخرى، فعند الله أكرمنا هو أتقانا، ودور الرسول إنَّما هو مُذكِّر، وما هو علينا بِمُصيطِر، ونحن لا نقاتل إلا الذين اعتدوا علينا وأخرجونا من ديارنا، فالذي يقتل نفساً واحدة فكأنما قتل الناس جميعاً، والمُسلم لا يعتدي، لأن الله لا يحب المُعتدين…

وفي حياته عليه الصلاة والسلام أيضاً، أنا على يقين أن سيدنا محمد لم يكن عنيفاً أو دموياً أو شهوانياً والعياذ بالله، بل كان مثالاً في الأخلاق والأمانة وطيبة القلب، فقد وجده الله ضالاً فهداه، ووجده يتيماً فآواه، وكان مُصلِحاً اجتماعياً يدعو للتفكر وإعمال العقل ونبذ الخرافات، لا لأن نتمسك بما وجدنا عليه آباءنا ونتعصب له، وهو قضى كل أيام شبابه مع زوجة واحدة مخلصاً لها ومؤتمناً على تجارتها، وعندما تزوج السيدة عائشة كان عمرها 19 سنة حسب الفرق بين عمرها وبين عمر شقيقتها أسماء بنت أبي بكر، فسيدنا محمد كان مناصراً ثورياً للمرأة لدرجة أن القرآن ورثها نصف حق الذكر بعد أن كانت لا ترث شيئاً، ومنحها حقوقاً، قبل 1400 عام، لم يمنحها الغرب للمرأة حتى نهايات القرن التاسع عشر…

والأهم من ذلك كله، قناعتي أن قدوة سيدنا محمد تكمن في تعليمه لنا أن الإسلام ليس دين حرب وغزوات وسبي، فهو حتى عندما حاربته قريش ونهبت ماله وحاصرته وعذبت أهله وقتلت أصحابه وطردته من بيته، عندما عاد إلى مسقط رأسه منتصراً، لم ينتقم من أحد، ولم يسفك دم أحد، ولم يقتل أحد، بل أكرم أعداءه وعفى عنهم وصفح عمن آذاه، وهو بذلك يكون القائد الذي أرسى المثل الأعلى والأنبل للبشرية جمعاء عندما قال لأعدائه الألداء مقولته الخالدة وهو في موقع القوة والغلبة:

“إذهبوا فأنتم الطلقاء”…

هذا هو الإسلام الذي أُرَجِّحُ صحة روايته، دينٌ سمحٌ متسامحٌ غير مؤذٍ يطهر القلوب، أراده الله لقومٍ يرحمون ويُحسنون ويغفرون ويتفكرون، لا لقومٍ يذبحون ويجزون رقاب الأسرى ويغزون ويعتدون، وما غير ذلك هي آيات أتت لوقت معين وحوادث معينة، لا يجوز تعميمها وتطبيقها في يومنا هذا…

أما الإسلام الآخر، إسلام الأحاديث “الصحيحة”، فهو متناقض تماماً مع الإسلام الذي أعرفه لما فيه من تزوير متعمد واختلاق لأكاذيب ما أنزل الله بها من سلطان، رواها أبي هريرة الذي سجنه عمر بن الخطاب لسرقته خراج مال البحرين، وابن عباس الذي سرق بيت مال البصرة في عهد علي وكان عمره لا يتعدى عشر سنين يوم وفاة الرسول، وهو ذاته إسلام معاوية وابنه يزيد والبخاري ومسلم والترمذي وأبو داود وابن ماجة وأحمد بن حنبل والنسائي وابن تيمية وابن قيم الجوزية ومحمد بن عبد الوهاب والألباني وبن باز والعثيمين وسيد قطب والقرضاوي والزغبي والعريفي والحويني وباقي شيوخ من يطلقون على أنفسهم “أهل السنة والجماعة”…

حسب إسلام الأحاديث “الصحيحة” هذا، يريدوننا أن نصدق أن سيدنا محمد قال أنه بُعِث بالسيف، وأن رزقه كان في ظل رمحه، وأنه الضحوك القتَّال، وأنه قال لقريش أنه جاءهم بالذبح، وأن الله أمره أن يقاتل الناس كافة حتى يسلموا بدينه، وبغير ذلك لا تُعصم أو تُصان دماءهم وأموالهم وأعراضهم، وأنه كان شتاماً يلعن النصارى واليهود، وأنه أمرنا بعدم بدءهم بالسلام، وأنه طلب منا إذا صادفناهم في طريق أن نضطرهم إلى أضيقه، وأنه بينما كان جالساً مع أصحابه رأى امرأة في الشارع فاشتهاها والعياذ بالله فدخل على أهله ثم خرج وأخبر أصحابه أن يفعلوا مثله مع نسائهم لتفادي الوقوع في المعصية، وأنه حرم الترحم على غير المسلمين لأن الله رفض له أن يستغفر حتى لأمه التي توفيت قبل رسالة الإسلام، وانه عقد زواجه على طفلة في السادسة ودخل عليها في التاسعة، وأنه نصح بالتداوي بشرب أبوال الإبل، وأنه كان يجامع إحدى عشر زوجة والعياذ بالله في ساعة واحدة لأن قدرته الجنسية بأربعين رجل، وأنه سمح لنساء المسلمين بإرضاع الكبير قبل الإختلاء به، وأنه أمر بذبح أطفال يهود بني النظير إذا نبت لهم شعر العانة!!!

هذه الإفتراءات البذيئة بحق الرسول الأكرم والتي أخجل من ذكرها ليست من عندي، وإنما هي غيضٌ من فيضٍ مما تحتويه حرفياً كتب الصحاح والسيرة عن الإنسان الذي أجزم قطعياً بأنه بريء من هذه الأكاذيب، ولكنها للأسف اليوم تكاثرت وانتشرت بين الناس حتى أصبحت هي الروايات الطاغية والمقبولة لدى عوام المسلمين وغير المسلمين…

هذا هو الفرق الكبير والشاسع ما بين هاذين المنهجَين المتضادَين المتناقِضَين:

بين إسلام سيدنا محمد والقرآن الكريم، وهو دين يسر ورحمة وعدل ومساواة وأخلاق، وبين إسلام الأحاديث “الصحيحة” والفقه الوهابي، وهو دين عسر ومنع وقمع وتحريم ودماء…

المصيبة اليوم هي في من يحاولون أن يوفقوا بين النقيضين بأساليب منافية للعقل، لا بل يغضبون إذا شكك أحدهم في صحة كتب البخاري ومسلم وباقي الأئمة، ولكنهم لا يغضبون ولا يهتزون لما تحتويه هذه الكتب من إساءات للنبي نفسه وعائلته وآل بيته…

ولذلك أقول لهذه الفئة من المُضَلَّلين (بفتح اللام)، لا تتسرعوا قبل إدانة غيركم، فأنا لا أطلب منكم أن تصدقوني أو تعتمدوا كلامي، بل ها هي الإنترنت أمامكم فيها دليل وبيان كل ما أقول، فكتب الصحاح ليست مخفية كما يخفي اليهود تلمودهم الطافح بالعنصرية والعنف، بل هي متوفرة لكم بكبسة زر وأنتم في أماكنكم، ولكم أن تطلعوا على ما تقوله لنا هذه الكتب من قصص لا يقبلها من يحب دينه ويحترم نبيه…

اليوم، وبعد كل عملية إجرامية تقوم بها فصائل تنظيم القاعدة من داعش ونصرة وغيرها، نسمع الإسطوانة المعتادة ذاتها بأن هؤلاء لا يمثلون الإسلام…

نعم، صحيح أنهم لا يمثلون الإسلام المحمدي القرآني، وأنا أول من سيجزم لكم بذلك، ولكنهم بالتأكيد يمثلون المنهج الآخر ويستندون إليه وإلى أحاديث الذبح والقتل المنتشرة فيه، وهذا هو ما لا ريب فيه لكل من في عقله ذرة من دماغ ويتابع الأخبار دون أن يكون متخصصاً في أمور المذاهب الإسلامية…

ولذلك، إذا أردتم تبرئة الإسلام كما تقولون، عليكم أولاً أن تتبرأوا أنتم من ذلك الفقه والتراث ومن تلك الأحاديث، وهنا بيت القصيد، فلا يجوز لأحد أن يدعي أنه ضد داعش وأخواتها وإجرامهم، ولكنه في الوقت نفسه يقدس ذات كتب ومرجعيات فقه الجريمة الذي تطبقه هذه الجماعات عند ذبحهم للأبرياء، ويرفض أن يدينها، بل ويستميت في الدفاع عن صحتها، لا حتى وأنه يتعصب في وصفها بأنها “أصح الكتب بعد القرآن الكريم”!!

أمامنا اليوم أيها السادة تصوران للإسلام لا يلتقيان، وروايتان بينهما برزخٌ لا يبغيان، والخيار لكم أن تختاروا ما بين الإثنَين، أما أنا فقد حسمت أمري منذ زمن بعيد، لأني أعلم جيداً من هم الذين يسيئون للإسلام ولنبي الإسلام، ولست بحاجة أن أدافع عن نفسي أمام أحد…

أضف تعليق

اترك رد

جميع الحقوق محفوظة © جريدة لبنانون توداي 2017
%d مدونون معجبون بهذه: