عاجل

موقـف موسكـو مـن العـدوان على غــزة

كثيرة هي الأسئلة التي تطرح حول موقف موسكو من العدوان الصهيوني على غزة، وعن سبب هذا الصمت المريب الذي ينتهجه ‘الكرملين’ تجاه ما يحدث في منطقة تعتبر حساسة ومن أولويات الأمن القومي الروسي كما هو معروف.

لكن.. ما علاقة روسيا، القوة العظمى الصاعدة بمقاومة ‘حماس’ المسيطرة على غزة، والتي تعني في العقيدة السياسية الروسية، أن الحرب هي بين دولة “إسرائيل” ومنظمة “إرهابية”، لا شرعية قانونية لها، ولا تمثل الشعب الفلسطيني من وجهة نظر القانون الدولي؟..

وهذا يقودنا لتفكيك العلاقة بين ما هو إستراتيجي من منظور محور المقاومة وما هو إستراتيجي من منظور روسيا، والذي لا يتقاطع في بعض السياسات مع ما نعتقد بالمنطق العاطفي، أنه يجب أن يتقاطع حد التطابق، وكأن روسيا مكون عضوي من مكونات محور المقاومة يؤمن بالجهاد في سبيل الله لتحرير فلسطين.

يدور صراع طاحن بين الولايات المتحدة وروسيا منذ أزيد من ثلاث سنوات حول سورية، وهو الصراع الذي كاد أن يؤدي إلى حرب إقليمية تتطور بسرعة إلى حرب عالمية لولا أن تم الإتفاق على نزع فتيلها من بوابة الكيماوي. وقد وصل الحد بالرئيس ‘بوتين’ أن أعلن صراحة أن بلاده مستعدة للدخول في حرب عالمية من أجل سورية، واعتبر سقوط دمشق بمثابة سقوط لموسكو.. وهذا أيضا معروف.

وبالتالي، فالعلاقة بين سورية وروسيا علاقة إستراتيجية لا يمكن المساس بها من قبل كائن من كان، بما في ذلك “إسرائيل” التي نذكر جميعا تحذيرات الرئيس ‘بوتين’ لـ’النتن ياهو’ من مغبة التفكير في أية مغامرة عسكرية ضد سورية مستغلة في ذلك أكذوبة دعم “المعارضة” المسلحة لإسقاط النظام.

الأمر مع إيران يختلف، لأن إيران لا تعتبر روسيا حليفا إستراتيجيا موثوقا به، بل فقط شريكا في ما تتقاطع مصالح البلدين، ويختلفان في العديد من القضايا، خصوصا وأن روسيا امتنعت عن تسليم منظومة “إس 300″ لطهران، المتفق بشأنها والمدفوع ثمنها مقدما، إلتزاما بالحظر الدولي، كما وأن موسكو شاركت المجتمع الدولي حصاره على إيران. لكن الأمور بدأت تتبدل مع أحداث سورية، وأبدت روسيا إستعدادا أكبر للتعاون، ووقعت مؤخرا مع طهران إتفاقيتين لتسويق النفط مقابل البضاعة بقيمة 20 مليار دولار للإتفاقية، في إلتفاف واضح على العقوبات، لا يتعارض مع القانون الدولي الذي تصر موسكو على الإلتزام به، متميزة في ذلك عن أمريكا وحلفائها لأبراز الجانب الأخلاقي في التعامل السياسي الدولي.. وفي نفس الوقت تضع بيد طهران ورقة قوة تستعملها في المفاوضات حول برنامجها النووي، وهذا أيضا معروف.

وبالمختصر المفيد، موسكو لا تبني سياساتها على أساس إديولوجي، ولا تعتبر إسرائيل عدوا لها، ولا تؤيد فكرة إقتلاعها من الوجود كما هو حال محور المقاومة، الذي ينطلق من رؤية دينية وأخلاقية للصراع مع الكيان الصهيوني المحتل.. لكنها تؤيد مبادرات السلام القائمة، وتدعو إلى إنهاء الإحتلال، وتدعم السلطة الفسطينية الشرعية في إقامة دولتها المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. هذا موقف ثابت ومعروف كذلك.

لكن بالنسبة لغزة، الأمر يختلف كثيرا.. وتفضل موسكو التعامل بحذر شديد مع هذه الأزمة “المفتعلة” من قبل ‘حماس’ وفق إعتقادها في تبني واضح للموقف الإسرائيلي الذي يقول أن سبب الحرب هو قيام ‘حماس’ بخطف الشبان الصهاينة الثلاثة وقتلهم في الضفة الغربية. ومن المؤكد أن موسكو تعلم علم اليقين أن هذا المبرر لا صحة له، وأن “إسرائيل” هي من إفتعلته بهدف واحد، يتمثل في سحق حماس ونزع سلاحها بطلب من حلفائها العرب (السعودية، الإمارات، مصر، الأردن)..

وبالتالي، فهذه الحرب وفق العقيدة البراغماتية الروسية، هي حرب “إسرائيل” والعرب ضد منظمة “إرهابية” لها إرتباطات مع جماعة “الإخوان المسلمين” التي قامت بأدوار تخريبية في سورية ومصر وليبيا، وتشكل خطرا على المنطقة برمتها، وفي هذا، موسكو لا تتقاسم الهدف الإستراتيجي الذي يعتمده محور المقاومة، حيث يعتبر الحرب ضد “إسرائيل”، هي حرب وجود ومصير، وعليه، يمكن تجاوز الخلافات الإديولوجية وتجاوز الأخطاء إن لم تكن الجرائم التي ارتكبتها ‘حماس’ في سورية، من أجل فلسطين، وهذه قمة الأخلاق والتضحية في سبيل توحيد المقاومة وإعادة توجيه بوصلة الأمة نحو القضية المركزية.

لكن، إذا نشبت حرب بين سورية و”إسرائيل” حول الجولان مثلا، فروسيا ستقف في صف سورية، كما ستقف في صف مصر إذا خاضت “إسرائيل” حربا ضدها لإعادة إحتلال سيناء مثلا.. وهذا لا يعني أنها ستشاركهما الحرب، بل ستدعمهما سياسيا وعسكريا، لأن الأمر يتعلق بنظامين علمانيين يمثلان العمود الفقري للشرق الأوسط.. ولهذا تركز موسكو على العلاقة الواعدة مع القاهرة زمن ‘السيسي’، فيما رفضت أي تعاون معها زمن المعزول ‘مرسي’ حيث لم يحضى بإستقبال محترم وعاد خاوي الوفاض من روسيا.

والسر في ذلك، يكمن في أن موسكو يستحيل أن تساند حركة إسلامية “متطرفة” حتى لو كان الحق إلى جانبها، بسبب موقف مبدئي لديها من “الإسلام السياسي” الذي عانت منه طويلاً، زمن “الجهاد” في أفغانستان، وبعد ذلك مع المقاتلين الشيشان، والتهديد القائم اليوم في شمال القوقاز، والقسوة الشديدة التي تعاطت بها قوات الأمن الروسية مع “الإرهابيين” كما تسميهم في داغستان.. ما يجعل من إنتقاذها لـ”إسرائيل” يثير ضدها تشويش إمبراطوريات الإعلام الصهيونية في الغرب، مع التركيز على “القرم” وما تقوم به من تصعيد ضد الحكومة في ‘أوكرانيا’..

لكن يجب الإنتباه، إلى أن “إسرائيل” وتلافيا لموقف معارض من موسكو لعدوانها على غزة، سارعت ببعث وفد من كبار الصهاينة اليهود الأمريكيين إلى روسيا، حيث اجتمعوا مع المسؤولين هناك، وتدارسو قضية “القرم” والأزمة في أوكرانيا، ووعدو موسكو بالقيام بما يلزم للضغط على الكونجرس، كي لا يصعد الغرب أكثر في هذا الموضوع الحساس بالنسبة لروسيا.. فهل هي مقدمة لرشوة مدروسة لإبعاد روسيا عن موضوع المقاومة في غزة؟.. ربما.. لكن إلى الآن لا تبدو الأمور أخذت طريق الحلحلة بإستثناء أن الإعلام الغربي لم يعد يتحدث عن “القرم” كما كان سابقا.. والناتو لا زال يزحف إلى أبواب روسيا، و’بوتين’ لا زال يهدد يحرب ضد الناتو، ويذكر أن روسيا قوة نووية عظمى، وبدأ مؤخرا بتطبيق عقوبات إقتصادية قاسية على أمريكا وأوروبا ويعتزم التصعيد..

وتلافيا للحرج، سبق للخارجية الروسية بتاريخ 7 يوليو/تموز الماضي، أن عبرت عن موقف ملتبس من العدوان على غزة، حيث أدانت ما سمتها “هجمات إرهابية” على المدن الإسرائيلية، وفي ذات الوقت أدانت “الاستخدام المفرط للقوة” في حق السكان المدنيين في قطاع غزة.. أي أنها حاولت مسك العصى من الوسط بإدانة الطرفين المتحاربين، ودعى مندوب روسيا في الأمم المتحدة ‘فيتالي تشوركين’ الطرفين إلى “وقف متبادل لإطلاق النار”.

كل ما سلف، لا يعني أن روسيا بعيدة عن ما يحدث في غزة وتداعياته على المنطقة برمتها، لذلك، ولعلمها أن قضية غزة تحولت إلى قضية رأي عام عالمي، وأن إنتصار ‘حماس’ سيستثمر على أنه إنتصار للإخوان المسلمين، ما سيزيد من شعبيتهم وتعزيز دورهم واحتمال عودتهم بقوة في مصر، سارعت روسيا للضغط على إيران للقبول بالمبادرة المصرية بعد تعديلها.

ومعلوم أن الهدف من المبادرة المصرية هو عدم منح ‘حماس’ أي إنتصار سياسي يستثمره الإخوان في مصر والمنطقة.. هذا خط أحمر تتفق فيه روسيا مع أمريكا مع سورية مع مصر مع السعودية مع الأردن ومع “إسرائيل”.. وآخرون لا ترونهم لكن الله يعلمهم.

والقطية المخفية في المفاوضات تكمن في عزل ما هو حقوقي كإطلاق الأسرى وأميال الصيد البحري والمعابر، عن ما هو سياسي ويدخل في إطار مسلسل المفاوضات مع السلطة، الممثل الشرعي والوحيد للفلسطينيين، ونقصد بذلك الميناء والمطار. وبهذا يمكن لإسرائيل الموافقة على الحقوقي وتأجيل السياسي مع المماطلة في التنفيذ، ليدرك شعب غزة أنه لم ينله من المقاومة غير القتل والخراب.

زيارة ‘السيسي’ إلى السعودية ومنها إلى موسكو، يدخل في إطار محاولة تجسيد هذه الرؤية الصهيونية – العربية، والتي تتقاسمها روسيا معهم للأسباب التي سبق وأن ذكرناها أعلاه، ناهيك عن المصالح الإقتصادية والتجارية التي تربطها بإسرائيل، بالإضافة إلى وجود أزيد من مليون إسرائيلي من أصل روسي يعيشون في فلسطين المحتلة.

والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم، ما دام الجميع قبل بالمبادرة المصرية.. هو هل تم ذلك بناء على صفقة، بعد أن تحولت فلسطين إلى ورقة للمزايدة السياسوية بين المحاور؟..

لأن ما حدث في العراق من إنقلاب مفاجأ، يبدو أنه أراح الجميع من بان كيمون إلى أوباما وصولا إلى طهران فالسعودية فروسيا فمصر… يؤشر إلى أن إتفاقا ما حصل في الكواليس بين إيران وتركيا وأمريكا حول العراق مع أخذ خاطر السعودية إنقاذا لماء وجهها..

لكن ماذا عن غزة؟.. الساعات القليلة القادمة ستجيب عن هذا السؤال

أضف تعليق

اترك رد

جميع الحقوق محفوظة © جريدة لبنانون توداي 2017
%d مدونون معجبون بهذه: