“هل تصلح عاشوراء قصة للأطفال”؟ بقلم الشيخ أحمد محمد إسماعيل

كنت أبحث في الغوغل عن عنوان مفترض خطر في بالي وهو { كربلاء وتدفق المعنويات } ففؤجئت بمقالة لي في هذا الإطار وقد نشرت في جريدة الإنتقاد منذ ما يقرب العقدين من الزمان لكن عنوانه الذي لم أقرره..وهو “هل تصلح عاشوراء قصة للأطفال”؟ وكنت قد تحدثت بالأمس عن فلسفة كربلاء وهذا المقال الطويل يصلح أيضا ليكون فلسفة لكربلاء..

ألف وما يقرب الأربعمائة سنة ولا تزال كربلاء بتجلياتها ودروسها وعبرها وآثارها، لا تزال هي هي بإشراقاتها وبريقها المتجدد.

في السنة الواحدة والستين للهجرة النبوية حدثت واقعة الطف، فاهتزت لها الأرض والسماء.

أمام محرابها يُخيّل لمن لم يفقه رسالتها أنها تحمل في طيّاتها العديد من التناقضات، مع أنها هي بذاتها الجواب الشافي والحجة الدامغة والمنطق الحق في عالم التكالب على الدنيا والانسحاق أمام شهواتها.

وهي رسالة السماء تُوجِّه أهل الأرض وتصوِّب أهدافهم وغاياتهم.. من أراد فهم لغتها فعليه أن يدرسها هي بمفرداتها ومصطلحاتها، بعمقها وأسرارها، لأن الحكمة المتعالية لا يستوعبها كل أحد، فمن لا يُتقن لغة الحكماء لا يحق له أن يتحدث ويحدِّث عن فلسفتهم للحياة، ولا أن يشكك في فهمهم ما لم يدخل رحاب لغتهم ويتعرّف الى أسرارها. وكربلاء لها قيمها ومفاهيمها، منطقها ولغتها.. فحذار من تقحّم معانيها بسقف ثقافتنا المحدودة وأفق معرفتنا الضيقة للعظماء،

فهلمَّ بنا مع كربلاء نتعملق بها ونكبر فيها، لا أن نقزِّم معانيها ونستصغر أهدافها، فنفعل حيالها كما الطفل مع البحر، حيث يجلس على الشاطئ ويبني بيوتاً رملية ويبلل جسده وثيابه، ظناً منه أنه يسبح في غماره ويغوص في أعماقه، فيُحرم من جواهر البحر وأصدافه وكنوزه.. وهكذا نحن الذين حرمنا من كنوز كربلاء، فلا نتقن الغوص في أعماقها ونتصور أننا من أهل معرفتها، تماماً كذاك الطفل الجاثي والمجافي للحقائق بحكم قصوره الذهني والمعرفي، أو كالأعمى الذي يتنطح ليعرِّف الناس على جمال المناظر الجميلة، أو كالأصم يريد أن يتذوق عذوبة لحن الأصوات الشجية، أو كالأخرس المشدوه أمام المشاهد الأخّاذة، وفي الأثناء لا يطاوعه لسانه معبراً عن مخزونات مشاعره وأحاسيسه.

فكربلاء هي هي.. بلغ فيها إجرام القتلة ذروته، وهي نفسها بلغ فيها المقدسون قمة خشوعهم بين يدي بارئ الخلائق أجمعين، فهي التي صنع أحداثها مجرمون سفاكون للدم، وهي التي لم يفدِ الله رجالها وبواسلها بذبح عظيم.

وكربلاء صفحة مظلمة سوداء في تاريخ الأمة التي قاتلت وبايعت وقتلت النجباء، وهي صفحة منيرة بيضاء في سجل كل من يمتّ لها بصلة من الشهداء والسبايا وكل جنودها وأنصارها، وهي التي أزالت الغطاء عن كل مدّعٍ متستر بالدين، وهي التي كشفت عن روعة الإيمان وكانت محلاً لعروج العابدين.

لا أدري كيف تكون كربلاء هي أرض الكرب والبلاء، أرض يُقتل فيها أبطالها وتُسبى فيها حرائر النبي المصطفى (ص)، وتكون هي نفسها بعد الملحمة أرضاً مباركة مقدّسة كأنها قطعة من الجنة! بل إن الملائكة يطوفون حولها ويحجون اليها حينما يأتونها متباركين بأرضها ورمالها وترابها، وهم أنفسهم ـ الملائكة ـ حجبهم المولى سبحانه من أن يكونوا مسوّمين مردفين للنصرة؟ ذلك أن لكربلاء حكايتها وفرادتها، وهي لا تقاس بغيرها لأنها استثناء لا يتكرر، وقد قال في حسينها الإمام الصادق (ع): “لا يوم كيومك يا أبا عبد الله”. وعلى ضوء ذلك لا يوم ولا واقعة أو حادثة كيوم الحسين وواقعة سيد الشهداء (ع).

وكربلاء هي النتاج الطبيعي للتخلّف عن العترة الطاهرة، أحد الثقلين اللذين تركهما فينا رسول الله (ص) لا لنتركهما، بل لنتمسك بهما حتى نرد عليه الحوض. وهي نتيجة لسلسلة تراكمات من عدم الانقياد والخضوع لأوامر النبي الأكرم شكّلت عنواناً واحداً اسمه السقيفة، التي كانت بدورها تنسف كل ما وضعه النبي من ضوابط وحدود تُختصر بعنوان الغدير.

فمن لم يتذوق عذوبة ماء الغدير قتله الظمأ، وإن عاش بين الماء والمطر والغيث والنهر.. ومن ارتشف من مائه ومعينه واستطعم حلاوة الولاية لأولياء الله، فقد ارتوى بالحقيقة مستأنساً بأهل الحق، وإن ألقاه الظَلَمة في العراء مكابداً العطش في كبد الصحراء. لله ـ يا كربلاء ـ لغزك لا يشبهه أي لغز، وسرُِّك لا يقاربه سرّ، فأنت من التاريخ والماضي، وأنت الحاضر والمستقبل بكل حيوية المستقبل، وأنت نهر هادر أتى من عمق التاريخ يملأ عالمنا ماء الحياة وإكسيرها ـ “وجعلنا من الماء كل شيء حي” ـ وأنت بحر متدفق بالعطاء تختزن أمواجه الحزن والغضب، وتخبئ للعالم كله زلزالاً لا يُبقي من القتلة ولا يذر، فبحرك غير آسن وإن مرّت عليه الدهور، ونهرك ماء متجدِّد وإن كان عمرك أكثر من ألف وثلاثمئة سنة.. فلا يُقال لماء النهر إنه قديم حتى لو كان عمره قروناً وعقوداً.

شهودك ـ كربلاء ـ هم من القلة بمكان، لكن أدقّ التفاصيل قد نُقلت عنك، ومئات الكتب والمجلدات قد صُنّفت بحقك، وهي لا تزال عاجزة عن إدراك سر مكنوناتك ولغز قصتك وحكايتك الآية.. وأنّى لمن لا يفقه معنى ضربة علي أمير المؤمنين (ع) يوم الخندق ـ تلك التي تعادل بل أفضل من عمل وعبادة الثقلين ـ أن يدرك معنى الضربات الحسينية في كربلاء!..

وأنّى لمن لم يستوعب كيف نزلت الآية بحق أمير المؤمنين (ع) حينما تصدّق بخاتمه وهو في ركوعه، أن يفقه معنى إراقة الدم وبذل المهج في كربلاء!..

نصف نهار من عمر التاريخ جسّد في إحدى صوره قمة الإنسانية، وفي صورته الأخرى مدى التسافل الحيواني والانحطاط الخلقي. نصف نهار فيه من التجليات ما لا يُحصى، ومن الإجرام ما لا يُتوصل فيه الى معرفة ما في القلوب الصخرية للمجرمين الجزارين.

أحداث نصف نهار اليوم العاشورائي لم يتوصل الباحثون الى معرفة أسرارها، برغم القرون العديدة على الواقعة.
إن مصارع الشهداء في كربلاء هي الأنموذج الأنقى والأطهر والأقدس، والعنوان لكل ثورة وثائر وحركة وجهاد.. حيث تحوّلت رمال كربلاء الممتزجة بدماء الأحرار الى صفائح تصفع المتخاذلين والمتورطين، وتصنع المؤمنين الرساليين.

كربلاء، أنت شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.. ما أكثر أفنانك وأغصانك! ما أعظم قطوفك وأدناها.. فهي قطوف دانية! ما أقدس أبطالك القاضين نحبهم، المضرّجين بدمائهم!..

كربلاء، موقد مشتعل في قلوب الباكين المحزونين، ودمعة محترقة تبكي المصاب، وهي تطفئ حرّ جهنم حينما تتحول الى سيل جارف ضد الظلم، ونار متأججة في صدور اللاطمين المفجوعين المصدومين من فعل أمة النبي (ص) مع سبطه.

لله أنتِ ـ كربلاء ـ أي دم سال على أرضك؟ وأي أجساد مقطعة وأشلاء متناثرة زُرعت في فنائك وحريمك؟
فما بين رأس الحسين المحزوز وكف أبي الفضل المقطوعة، وما بين طفل الحسين الرضيع وقامة القاسم بن الحسن ألف حكاية ورواية،وألف قصة وغصة..وما بين حبيب بن مظاهر ومسلم بن عوسجة أروع وصية وقضية..وما بين وهب النصراني وأمه وزوجته والشهداء جميعاً أخلص إيمان وإسلام..وما بين عناق الأسنة والرماح وعناق الموت -السعادةـ أفضل فلسفة للموت والحياة.

وما بين عطش العترة الطاهرة وساقي العطاشى أفضل إيثار وأنبل عطاء وأطهر عطاء في مدرسة سيد الشهداء.
وهل هناك أعظم وأقدس من كربلاء التي جاد أهلها بالدماء، وكان الشعار “اخلع نعليك إنك في الوادي المقدس طوى”، وتحت هذا العنوان خلع الكربلائي نعلي المادة والشهوات، والأنانية والعصبيات، والرغبة والشهوات، والعقار والممتلكات، لأن كربلاء تريد منا أن لا نعبد إلا الله، ولا نركع إلا لله، ولا نسجد لدنيا زائلة وحطام فانٍ.قضيتها التخلي عن الأغلال التي تعيق عن التحليق،فالطائر الذي يجد متعته في الطيران جواً سيحدّ من حركته القفص حتى لو كان ذهبياً،وسيقتل فيه مهمته ما يعلق برجله،
وكل ما ازداد ثقلاً أنهكه وزن القيود والأغلال.

لله أنتِ ـ كربلاء ـ من حكاية لا يمل سامعها ولا يضجر حاكيها مهما تكررت، لأنك دائماً فيك عطر جديد وشذى فوّاح وأريج يملأ الدنيا من عطره الفوّاح..
لله أنت.. أي مجتمع اجتمع في رحابك ليرمز الى المجتمع الإنساني؟ كأنتِ ـ كربلاء ـ حيث اختصرت مجتمعاً يتضمن القائد والجنود، الطفل والشيخ، العبد والسيد، المسلم والمسيحي.لكنه مجتمع لا يتوقف عند خصوصياته لأنه كربلائي وكفى!

فكربلاء حجة الله على الخلائق ومحجة الخلائق الذين يريدون وجه الله، وصوت الأحرار الصادح بالحق، وسوط على الأشرار أعداء الحق.. وكربلاء ساحة تدفق وتفجر المعنويات، وصاعق التفجير في وجه المستبدين الطغاة.

كربلاء معهد يخرِّج الأحرار ولو كانوا عبيداً، ويسحق عبيد الدنيا وإن ملكوا العبيد. وهي مدرسة الحياة التي جعلت من العبيد أمثال جون مولى أبي ذر والعبد التركي و.. أحراراً شهداء بين يدي سيد الأحرار، وجعلت الأحرار أو المتوهمين أنهم كذلك أمثال عمر بن سعد و.. عبيداً.. “الناس عبيد الدنيا” كما قال سيد الشهداء (ع).

ففي مدرسة الحسين الموت محبب ومرغوب وسعادة، والحياة مع الظالمين لا قيمة لها، وتبعث على الاستياء. والموت بدل أن يتسلل ليأخذ روحاً تلو أخرى، يقتحمه الكربلائيون ويختارونه بسعادة لا توصف!..

أمام هذا الجبل الهائل من الصمود والروح القتالية العالية والإرادة التي تتحدّى الفولاذ في قوتها، فهل نبكي المقتولين المظلومين أم نبكي الكربلائيين الأبطال؟ وهل نحزن للأجساد المقطعة أم للحقوق المضيّعة؟ وهل نلطم لما أصابهم أم لما أصاب أمة جد الحسين (ع)؟ والجواب باختصار هو أن نبكي الحسين البطل لا الحسين المظلوم، كما يقول العلامة الشهيد مرتضى مطهري، لأننا بذلك نستلهم من بطولته بطولة ومن مظلوميته عهداً بيننا وبين الله أن لا نظلم الحق وأهله، والقرآن وتراجمه.

ونحزن للحق المضيّع ويفجعنا الجسد المقطع، فنقف مع كل مظلوم ومقتول وشهيد، ونلطم لأمة قتلت أبناء حزب الله النجباء ووقفت مع ابن الطلقاء.

فالحسين الذي قُتل من غير جرم أو جناية، هو ابن بنت رسول الله (ص)، سبط النبي وريحانته وسيدٌ ـ من سيدَي ـ شباب أهل الجنة، مع أخيه الحسن المجتبى عليهما السلام. وهو كما قال عنه رسول الله (ص): “إن الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة”، وهو من قال جده الرسول (ص): “حسين مني وأنا من حسين”.. والحبيب المصطفى (ص) هو خاتم الأنبياء وأفضلهم عند الله، وبهذا يكون الحسين وارث الأنبياء كما في زيارة وارث: “السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله.. يا وارث نوح نبي الله”، فهو وارث آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد حبيب الله، فهل مثل الحسين الوارث للأنبياء يُجازى بهذا الجزاء من أمة ادّعت أنها تتقرّب الى الله بسفك دمه؟!

إن دمك الطهر يا حسين كما يعني لمواليك رسالة هي في غاية الدلالة، وبرنامجاً عملياً هو في غاية الدقة والتصميم، يحدِّد مسارهم ومسيرهم الى أن تبدّل الأرض غير الأرض والسماء، يعني أيضاً وصمة عار في جبين القتلة، ولعنة تلاحقهم الى يوم الدين والجزاء.

فسلام عليك يا بن علي وفاطمة، يا بن خديجة الكبرى ومحمد المصطفى..السلام عليك يا من قتْلُهُ قَتْلٌ للأنبياء، وأنت وارثهم ورسالتهم وحجتهم “ومن قتل نفساً بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعاً”.
سلام الله عليك يا بن بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلَف الملائكة، يا من بكم فتح الله، أيها المرمّل بالدماء وبكم ختم.. يا بضعة خاتم الأنبياء.

بقلم الشيخ أحمد محمد إسماعيل

أضف تعليق

اترك رد

جميع الحقوق محفوظة © جريدة لبنانون توداي 2017

تصميم وبرمجة قمة سوفت

%d مدونون معجبون بهذه: