هل يحجب الدخان الايراني صفقة بيع فلسطين؟

بعد هزيمة المشروع الاميركي-الخليجي في العراق وسوريا وتعثره في اليمن، كان لا بد من حساب ترغب واشنطن في تصفيته مع ايران التي تسببت في هذه الهزيمة. لم يخف الرئيس دونالد ترامب نيته منذ ثلاثة اشهر بان يغير سلوك الجمهورية الاسلامية ،واذا لم يتم له ذلك، فتغيير النظام.
ويرى احد المراقبين ان الولايات المتحدة واسرائيل تعملان على استغلال حال التململ الاجتماعي الى الحدود القصوى، والافادة من الضائقة الاقتصادية الخانقة، ودأبا من خلال آلة اعلامية محترفة على اثارة الشكوك بقدرة النظام القائم على توفير فرص العمل والحد من البطالة، واقناع الرأي العام بان المساعدات التي تقدمها طهران ل”حزب الله” وتدخلها المباشر في الحرب الدائرة في سوريا ، والاسناد الدائم للحشد الشعبي ، هم السبب في ما حل بالايرانيين من فاقة.وان المال العام الايراني ذهب الى غير المكان الذي يفترض ان يذهب اليه: اي جيوب المواطنين ،لا الاستثمار في المطامح السياسية لدعم الحضور الاقليمي والدولي لطهران. وكانت واشنطن قد اوكلت رسميا الى احد الضباط المحترفين والمختصين في اثارة الاضطرابات والقلاقل وتدبير الانقلابات انفاذا لـ”اجندة” الـ”C I A”، خلخلة النظام بافتعال فتن داخلية. وهذا الضابط الذي اعتنق الاسلام ، استطاع تكوين خلايا نائمة ، وتجنيد عناصر ناقمة على الاوضاع المعيشية ، ومجموعات مناهضة للنظام من مرحلة الشاه ، ومجاهدي خلق ، عدا الناقمين من الاكراد وحركات سنية مرتبطة بالقاعدة
،او على صلة ب”داعش”،اضافة الى بعض تنظيمات “عرب الاهواز”.
ان المعترضين الذين تظاهروا ضد النظام الاسلامي في طهران ،لم تكن اهدافهم موحدة .منهم من كانت اهدافهم مقتصرة على الجانب الاجتماعي المعيشي ، ومنهم من يرمي الى ما هو ابعد : خلخلة قواعد النظام العام وزرع الفوضى الشاملة تمهيدا لتغيير الاوضاع على الارض .
ان الاحداث التي تفجرت في عدد من المدن الايرانية ، تزامنت مع التطورات الناشطة دوليا واقليميا لابرام صفقة القرن الهادفة الى تصفية القضية الفلسطينية ، من خلال اعتراف الرئيس الاميركي بالقدس عاصمة ابدية لاسرائيل ، واقتراح “الليكود” على الحكومة و” الكنيست ” ضم الضفة الغربية الى الدولة العبرية ،وجعل القدس الموحدة عاصمة موحدة لها. وهذا التزامن يؤدي الى صرف الانظار عن الجريمة التي ترتكب في حق الشعب الفلسطيني على يد اسرائيل بدعم مباشر من واشنطن وباغضاء عربي متعمد. وان تحويل الاهتمام الى ما يجري في ايران المصاحب بتجييش سياسي واعلامي غربي وخليجي غير مسبوق ، وارتفاع بعض اصوات الساسة والمعلقين الاسرائيليين بدعوة حكومة بنيامين نتنياهو لاجتناب الانجرار الى مواجهة مع “حماس” واشعال جبهة غزه ،هو دليل على الحرص بان يظل التركيز على الحدث الايراني.
لا شك ان الاحداث في الجمهورية الاسلامية ولدت ارباكا كبيرا واحساسا بوجود مخطط لاشغال ايران ومنعها من استثمار الانتصارات التي حققتها قوى الممانعة،ودفعها الى التزام الخطوط الدفاعية بدلا من الاحتفاظ بعنصر المبادرة. لكن هذه الاحداث -في المقابل- وحدت المحافظين والاصلاحيين في خندق واحد في وجه رافضي النظام الاسلامي .وتحاول السلطات في طهران حاليا الفصل بين المتظاهرين لاسباب مطلبية ولاسيما اجتماعية ومعيشية وبين المعترضين لاسباب سياسية والداعين الى تغيير النظام ورفض شعار”ولاية الفقيه” وهذا الفصل يتطلب اصلاحات جذرية على المستويين الاقتصادي والمالي. والسؤال :هل سيكون ذلك متاحا بسهولة في ظل الحصار الاميركي واحتجاز الودائع الايرانية في الولايات المتحدة ،والمبالغ التي تنفقها دول خليجية للابقاء على هذا الحصار؟
يرى المراقبون المتابعون ان احداث ايران محكومة بسقوف يصعب تجاوزها، وان قمع التظاهرات متيسر،لكن على ما يبدو ان ثمة مرونة في التعامل مع التحركات الاعتراضية،لان هناك رغبة في استيعاب ما جرى بالحد الادنى من الخسائر البشرية والمادية. ولكن الاعتداء على الاملاك العامة ومهاجمة المباني الحكومية والمراكز العسكرية والامنية،خط أحمر يبيح التعامل بقسوة . وان معظم من سقط من ضحايا كانوا يهاجمون هذه المراكز .
ان المطلب الاميركي بتغيير سلوك ايران قد يولد نتيجة عكسية ،ويزيد من حجم التدخل الايراني في فلسطين المحتلة بكل الوسائل. وايا ستكن محصلة الأحداث في الجمهورية الاسلامية، ستظل رسالة واشنطن هي هي: لتترك طهران الوضع الفلسطيني وشأنه،والا فلا تراجع عن سياسة انهاكها واتعابها.
قد تتبدد سحب الاحداث في ايران، لكن آثارها ستبقى ماثلة وسيترتب عليها فصل جديد من فصول المواجهة في المنطقة.

 

جوزف قصيفي

أضف تعليق

اترك رد

جميع الحقوق محفوظة © جريدة لبنانون توداي 2017
%d مدونون معجبون بهذه: