وطن “على كف تغريدة”… بقلم ديفيد عيسى

لا يمكن أنْ ندّعي أنّ البلد بخير، ولا يمكن إخفاء حقيقة وواقع أنّ الوضع هش وقابل للاهتزاز والتدهور السريع والمفاجئ في أي لحظة وعند أي موقف سياسي أو “تغريدة سياسية”.
ويكفي أن “عبارة أو تغريدة” يطلقها سياسي من هنا أو هناك يمكن أنْ تبدّل في المناخ السياسي وتقوده من الانفراج إلى حافة الانفجار، ويمكن أن تقلب في ساعات وأيّام الوضع رأساً على عقب وتقضي على ما بنته التسوية السياسية في خلال أشهر وسنوات.
– “التيار الوطني الحر وحركة أمل”
قبل أشهر وفي حمأة التحضيرات للانتخابات النيابية، حدث توتر بين “التيار الوطني الحر” و”حركة أمل” بسبب عبارة “بلطجي” قالها وزير الخارجية جبران باسيل عن رئيس مجلس النواب نبيه بري، فاستنفرت العصبيات في “الوطن والمهجر” واشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي وحدث توتر في الشارع وكادت الأمور أن تفلت من عقالها لو لم يتم احتواء الموقف وردات الفعل ولو لم تحصل تدخلات سريعة ومن أعلى المستويات لتدارك الوضع.
– “التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية”
وبعد الانتخابات الأخيرة حصل أيضآ “اشتباك كلامي” بين “التيار الوطني الحر” و”القوات اللبنانية” حول “الأحجام” التي أفرزتها هذه الانتخابات،بعدما تعاهدا من خلال ” اتفاق معراب” على طيّ صفحة الانقسام والخلاف والماضي الاسود، لكن ما حصل ويحصل لا يبشر بالخير ويعطي مؤشراً سلبياً إلى مستقبل هذه العلاقة، وامكانية العودة إلى “الحرب الباردة”…
– “التيار الوطني الحر والحزب الاشتراكي”
وقبل أيام وفي خضم عمليّة تشكيل الحكومة، أطلق وليد جنبلاط تغريدة سياسية قال فيها: “العهد الفاشل من أوّله”، وكانت هذه التغريدة كافية “لإشعال الجبهة” ورفع المتاريس السياسية بين “التيار الوطني الحر” و”الحزب التقدّمي الاشتراكي” وتبادل إطلاق النار الذي تطوّر أحياناً إلى قصف عنيف ومتبادل بشتى أنواع الاتهامات والأوصاف.
وهذا الاشتباك السياسي حصل على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي وانخرطت فيه قوى نيابية وحزبية من الطرفين وكشف عن واقع خطير سياسياً ووطنياً.
والخطورة لا تنحصر هنا في”الصراخ المتبادل من فوق السطوح”، وإنما تتعدى ذلك إلى تهديد مناخ ومكتسبات “المصالحة التاريخية” التي رعاها البطريرك صفير في الجبل والتي لا يجوز أن تظل بعد كل هذه السنوات مهدّدة بالانهيار ووسيلة للابتزاز كل ما “دق الكوز بالجرة” وتظهر أنّها غير جدّية وغير ثابتة وأنّها قائمة على مصالح سياسية، لا على توازن حقيقي بين الدروز والمسيحيّين.

 

نورد كل هذه الوقائع وهي غيض من فيض لنصل إلى نتيجة مؤداها أنّ الوضع في لبنان هو على “كف عفريت” او على ” كف تغريدة”، وهذا أمر خطير جدآ إذا ما استمر على هذه الحال، وأنّ هناك ضرورة كي يقوم كل فريق سياسي بمراجعة عامة لسياسته ونهجه وخطابه وحتى أسلوبه في التعبير والأهم من كل ذلك أن يدرك المسؤولون والسياسيون الثوابت والبديهيات التالية:

1- إنّ الحكم في لبنان قائم على “الديموقراطية التوافقية” والتعدّدية السياسيّة وحيث لا يمكن لأحد أنْ يلغي أحداً ولا يمكن إقصاء أو تهميش أي مكوّن من مكوّناته، فهذا بلد لا يقوم على منطق أكثريات وأقليات وإنما يسوده منطق التفاهمات والتسويات.
2- إن أي فريق أو طرف مهما بلغ من قوة وحجم سياسي أو نيابي لا يمكنه أن يحكم منفرداً أو أن يحتكر القرار، وهذا ما أكدته التجارب والوقائع على مر السنوات الماضية وحيث كانت المشاريع الأحادية والطموحات غير الواقعية تنتهي دوماً إلى نتائج مريرة وخيبات مكلفة.
إنطلاقاً من كل ذلك وبناءً عليه على الجميع التحلي بالمسؤولية والواقعية والهدوء والتواضع، وتقديم التسهيلات والتنازلات من أجل المصلحة العامة، وتبريد الرؤوس الحامية واتباع سياسة تدوير الزوايا.

الترجمة العملية لهذا التوجه “العاقل” يكون حالياً بالإسراع في تشكيل الحكومة وإخراجها من “براثن” الهيمنة والأنانية، والتهيئة لطاولة حوار وطني برئاسة رئيس الجمهورية يجري من خلالها ضبط الانفعالات والغرائز ومناقشة الملف الأكثر حساسيّة، ملف النازحين السوريين إضافة إلى الوضع الاقتصادي الخطير الذي يتقدّم على كل ما عداه، ووضع كل الملفّات الخلافيّة الأخرى جانبآ والتطرّق إلى هذه المواضيع الأكثر دقة وحساسية والتي تشكل خطرآ على مستقبل لبنان وشعبه.
– ملف النازحين السوريّين
على الجميع أنْ يعرف أنّ ملف النازحين السوريّين هو مسألة وجودية وهو خارج لعبة الموالاة والمعارضة… صحيح أنّ التحدّيات كثيرة والمهمة صعبة واللعبة أكبر من لبنان الذي صار جزءاً من “دوّامة إقليمية”، ولكن الصحيح أيضاً أنّ اللبنانيّين بمقدورهم الحد من الخسائر والآثار السلبيّة وإقامة حد أدنى من استقرار عام عبر إقامة حد أقصى من توازن وطني وحوار بنّاء…
إنّ ملف النازحين السوريّين تحوّل إلى قضيّة وطنيّة تسمو فوق كل الخلافات والانقسامات ويقع خارج لعبة الموالاة والمعارضة ولا يحتمل التأجيل والتهاون والتساهل، وإنّ عبء اللجوء الضخم الملقى على عاتق لبنان اقتصاديآ واجتماعيآ بات يشكل خطرآ وجوديآ.
كما أنّ هناك موضوعاً أساسياً يجب عدم إغفاله وهو أنّ الفقر حالة تم رصدها في لبنان من قبل المنظمات الدولية حتى قبل الأزمة السورية وتدفّق النازحين إليه، حيث قَدَّرَ “برنامج الأمم المتحدة الإنمائي” في دراسة أعدّها في ( 2004-2005 )، أنّ 27 في المئة من اللبنانيّين فقراء ويعيشون على أقل من 4 دولارات في اليوم، ويتوقّع “البنك الدولي” أن تدفع الظروف الاقتصادية السيئة 170 ألفاً من اللبنانيين إلى الفقر بينما سيواجه الفقراء صعوبات أكثر سببها المنافسة التي شكلها النازحون الذيي يَقبَلون بمعدّلات أجرٍ منخفضة.

فمن الثابت والأكيد أنّ لبنان بإمكاناته المحدودة وجغرافيته الضيقة لم يعد يحتمل أعباء النزوح وتكاليفه، ولم يعد في وسعه انتظار الحل السياسي للأزمة السورية الذي قد يطول لسنوات، ولم يعد أمامه إلا خيار إعادة النازحين بطريقة طوعيّة وبالتنسيق مع السلطات السورية… ومن الطبيعي ومن المفترض أنْ يكون اللبنانيون على مختلف طوائفهم وأحزابهم صفاً واحداً وموقفاً واحداً في مقاربة أزمة النازحين بعيداً عن أي اصطفاف سياسي، وبغض النظر عن الموقف السياسي موالاة أو معارضة حتى لا ينهار الهيكل على رؤوس الجميع.

أضف تعليق

اترك رد

جميع الحقوق محفوظة © جريدة لبنانون توداي 2017

تصميم وبرمجة قمة سوفت

%d مدونون معجبون بهذه: