المعادلة الأمريكية : تغيير الهدف أم تغيير المقاربة؟ بقلم / جورج حدادين

المبادرة الوطنية الأردنية

20/5/2018

المتابع لتطور الأحداث في الدوائر الثلاث: الدولية والإقليمية والمحلية، يقع في حيرة شديدة لناحية فهم مجرياتها ومآلاتها، وذلك بسبب تعقدها وتداخل القوى الفاعلة وشدة تضارب المصالح، في مرحلة من مراحل التحول التاريخي في عمر البشرية.

في مراحل الوفرة من تاريخ الدول والمجتمعات يأخذ التنافس داخل المنظومة الرأسمالية ذاتها ومحيطها الشكل السلمي، ولكن في حالات العوز والأزمات الاقتصادية ألتي تضرب هذه الدول ومجتمعاتها ينتقل التنافس السلمي إلى صراعٍ دامٍ بأشكال ناعمة وخشنة.

ضربت المنظومة الرأسمالية العالمية أزمة بنيوية حادة عام 2008، سمّيت حين ذاك ” أزمة الرهن العقاري ” حيث لم تتمكن على مدار العقد بأكمله، بالرغم من جميع المحاولات، الخروج من هذه الأزمة الخانقة، وبسبب طبيعة المنظومة الرأسمالية وهدفها المقدس – أولوية ربح رأس المال وثانوية قيمة البشر – يصبح البحث عن الحلول، من جانبها، يستند إلى تحميل الشعوب وزر الأزمات، التي صنعتها بذاتها، بما فيها شعوب المنظومة الرأسمالية ذاتها، وعلى حساب دول ومجتمعات المحيط.

هذا النهج المتبع، من قبل هذه المنظومة، يؤدي بشكل دوري إلى كوارث إنسانية واجتماعية تتبدى على شكل فقر مطقع وآفات مرض اجتماعية، وتوترات مجتمعية حادة، وحروب موقعيه في المحيط، يتحمل عبئها ووزر تداعياتها وويلاتها شعوب دول المحيط الرخوة تحديداً.

تطور الأحداث في الدوائر الثلاث:

على الصعيد الدولي: يشتد التنافس الحاد بين منظومة الرأسمالية المضاربة، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، من طرف، وبين دول البريكس ، بقيادة الاتحاد الروسي والصين الشعبية، المنظومة الرأسمالية المنتجة، من طرف آخر.

ففي الوقت الذي تسعى، روسيا والصين، لجعل الصراع مع المعسكر الآخر، يأخذ طابع التنافس السلمي، فأن هذا المعسكر – معسكر الطغمة المالية المضاربة – يصر على اعتباره صراع تناقض غير سلمي، وفي هذا السياق يتمادى في فرض عقوبات اقتصادية على روسيا والصين ، ويوتر الأجواء على محيط و حدود هذه الدول: عسكرياً وبرياً وبحرياً: نشر منظومة الصواريخ ونشر القوات العسكرية البرية والبحرية على حدود روسيا، من كافة الجهات على شكل حصار عسكري: أوكرانيا جورجيا لتوانيا بولندا…الخ وعلى حدود الصين في بحر الصين وداخل كوريا الجنوبية واليابان،…الخ.

هل يعني ذلك أن موقف دول المعسكر الرأسمالي متجانس تماماً، أم أن هناك تمايز وتناقض أحياناً بين أطراف هذا المعسكر؟ يبدو ذلك، ولكن في النهاية الكفة ترجح لصالح موقف الولايات المتحدة، ممثل المركز الرأسمالي العالمي المضارب، بالرغم من محاولات ترامب ومن يمثلهم ، الأنكفائيين، العودة إلى الرأسمالية المنتجة، ويبدو أنهم أعجز من فرض هذا التحول، كما تدل على ذلك التعيينات الأخيرة في مناصب الإدارة، والتي تميل، بشكل قطعي، لصالح المحافظين الجدد المتطرفين، الطرف الآخر في معادلة الصراع الداخلية الأمريكية.

يبدو رضوخ أوروبا للقرار الأمريكي حتمي، ففي الموقف من العقوبات المفروضة على روسيا، ستنصاع أوروبا للقرار ستمتثل لفرض هذه العقوبات، بالرغم من الضرر الذي يلحق بمصالحها.

والمثال الثاني، الموقف من انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، والعقوبات التي ستفرض على الشركات الأوربية في حال عدم التزامها بالعقوبات، فهل تصمد الدول الأوروبية في وجه الإدارة الأمريكية، أم أنها ستناور للحصول على تنازلات من إيران، وخاصة في موضوع منظومة الصواريخ، التي تقلق الكيان الصهيوني والمحور : السعودي – الإماراتي – الصهيوني، ومن خلفه أمريكيا.

فهل يعني تمايز مواقف حكومات دول هذا المعسكر بين أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، الافتراق أم الانصياع؟ الجواب بالتأكيد الانصياع، وذلك لأن مصدر القرار، أي صاحب القرار الحقيقي، ليس إدارات هذه الدول، بل الشركات العملاقة، المركز،  صاحب القرار النهائي ، حيث أن هذه الإدارات تقوم فقط بإدارة وتنفيذ هذه القرارات.

لا للمراهنة على الموقف الأوروبي، نعم للمراهنة على قوة الذات الوطنية. 

على الصعيد الإقليمي: انفجرت خلال العقدين الأخيرين حروب غزو من قبل المركز الرأسمالي العالمي على دول المحيط خاصة: العراق وأفغانستان، ونشوء صراعات دموية عنفيه، غزو العراق تحت عنوان: الصدمة والرعب، وغزو أفغانستان تحت عنوان: القضاء على القاعدة،  يبدو أن شن الغزوات قد فاقمت من أزمة المنظومة الرأسمالية ولم تشكل خشبة خلاص لها كما كان يحدث في مرحلة الرأسماليات القومية، حيث انفجرت هذه الأزمة بشكل عنيف عام 2008 تحت عنوان أزمة الرهن العقاري، وما زالت هذه الأزمة تفعل مفاعيلها في المركز الرأسمالي العالمي، حيث تدهورت مكانته لصالح دول البريكس، وفقد الكثير من هيبته.

وما الحروب التي شنت على العراق ثم على اليمن  وعلى سوريا إلا مثالاً حياً لهذه الحالة البائسة لهذا المعسكر، حيث الفشل الذريع لمشروعه، وحيث انتصرت المقاومة البطلة في العراق وأرغمت قوات الغزو على الانسحاب ، وفشل مخطط تفكيك الدولة السورية، وتفتيت المجتمع السوري، كما تصور وخطط، كما وفشل مخطط ضرب اليمن وإخضاعه للهيمنة.

عنوان الصراع على سوريا مر بمراحل مختلفة وعناوين مختلفة، فبعد احتلال العراق مباشرة، من قبل قوات المركز الرأسمالي العالمي، هبط وزير خارجية الولايات المتحدة في مطار دمشق، وقدم للرئيس السوري مجموعة مطالب للتنفيذ، وليس للنقاش، تحت عنوان تغيير سلوك النظام وليس تغيير النظام ذاته، ومع اشتداد الهجمة على سوريا بعد عام 2011 بشكليها الناعم والخشن، انتقل الشعار إلى إسقاط الرئيس والنظام وتغيير الدستور، وبعد الصمود الرائع للجيش العربي السوري، وجزء لا بأس به من الشعب السوري، وبعد فشل الحملة العسكرية بواسطة الأدوات العسكرية التابعة : الدينية واللبرالية والعلمانية، تغيّر الشعار وعاد مرة أخرى شعار تغيير الدستور، الذي هو محور الصراع الحالي في مرحلة ما بعد فشل الحملة العسكرية.

 

شعار المرحلة على الصعيد السوري، بالنسبة للمركز الرأسمالي العالمي اليوم يتمثل في تغيير الدستور الوطني السوري، لصالح دستور يضمن الأهداف التي فشل في تحقيقيها في الميدان، وفي مقدمتها :

  • تغيير الهوية العروبية للدولة السورية، وعزل سوريا عن محيطها العربي.
  • تغيير عقيدة الجيش العربي السوري، المعادية للصهيونية والامبريالية.
  • تغيير بنية الدولة السورية من دولة وطنية مركزية منتجة إلى دولة فدرالية تابعة مستهلكة.
  • تخصيص ما تبقى من القطاع العام وتصفية دوره الاقتصادي – الاجتماعي.
  • السيطرة على الثروات الطبيعية المكتشفة، وخاصة النفط والغاز، وتقاسم السيطرة على مشاريع إعادة البناء.

القرار يجب أن يكون بيد الدولة السورية، وضمان حق المجتمع السوري في اختيار طريق تطوره، وشكل الحكم والدستور الذي يرتضيه لنفسه، وهذا الحق هو حق حصري، حق مقصور على الشرائح الوطنية السورية الكادحة والمنتجة، لا يشاركه به أحداً ولا حتى الحلفاء.

على الصعد المحلية: اشتد الصراع بين أطراف متعددة داخل المجتمعات العربية ، خاصة بين قوى التبعية من طرف و قوى التحرر الوطني، من طرف آخر، وفي خضم هذا الصراع تبلور:

 محور المقاومة: سوريا حزب الله إيران والمقاومات العربية.

ومحور الهيمنة والتبعية ” السعودية والإمارات والكيان الصهيوني”.

وازداد محور المقاومة قوة ومنعة، وحقق انتصارات على أرض الواقع، يجب عدم التفريط بها، لا بل يجب البناء عليها، وخاصة العمل على الانتقال من مشروع المقاومة إلى مشروع التحرر الوطني.

حسم الصراع وضمان مفاعيل الانتصار يتطلب إعادة بناء حركة التحرر الوطني العربي، وضمان إنفاذ متلازمة ” التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي” في كل قطر عربي.

رغم الامتنان الشديد والعظيم والعرفان لكل من دعم سوريا من الحلفاء، في هذه الأوقات العصيبة، إلا أن حق تقرير مصير المجتمع السوري والدولة السورية غير قابل للمشاركة والمساومة.

لا للمساومة على هوية سوريا العروبية والوطنية المنتجة، ولا للمساومة على دور سوريا التاريخي في حماية مصالح الأمة العربية.

لا للمساومة على حق الشرائح الوطنية السورية الكادحة والمنتجة في تحديد مسار تطور الدولة والمجتمع السوري.

لا لكل من يسعى لاحتواء سوريا، ولا لكل زعماء الحرب وأثرياء الحرب.

إعادة بناء سوريا وكيفية البناء يجب أن يكون قرارا وطنيا سوريا.

لا تغمسوا خبزكم بدماء أبناءكم.

 

” كلكم للوطن والوطن لكم”

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

2 + سبعة عشر =

جميع الحقوق محفوظة © جريدة لبنانون توداي 2017

تصميم وبرمجة قمة سوفت