هكذا يحمون ويشرّعون الفساد.. فكيف يحاربونه؟

كلوفيس الشويفاتي

 

ثمّة من يسأل لماذا الغوص كثيراً في دفاتر الماضي وفي سيَر المرتكبين والفاسدين؟ لماذا ترجعون لحقبات طوتها التسويات وأغلقتها المصالح السياسية؟ لماذا لا تفتحون صفحة جديدة؟
ولكن يا أعزائي إذا كان الأشخاص هم هم، كيف نفصل ماضيهم عن حاضرهم وعن مستقبلهم؟ وإذا كانت قاعدة الدول المتحضّرة تقول “إن الحكم استمرارية”، فكيم نطوي كلّ ما سبق وعلى ماذا سنبني المستقبل؟ قال البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير يوماً “نريد رئيساً لا يخجل حاضره بماضيه”.
فكيف نأمن لمن يخجل حاضره من ماضيه…
لن نعود كثيراً إلى الوراء وسنورد واقعة وحيدة لتروا من سيحارب الفساد والمفسدين.. وهذه الواقعة تتعلّق بأم السلطات بالمجلس النيابي اللبناني أساس النظام والإصلاح والمعبر الوحيد لكل قانون وتطوير وتغيير..
عندما كانت الحركات العماليّة والمعلمين والموظفين يطالبون بإقرار سلسلة الرتب والرواتب، بغضّ النظر عن نتائجها وتداعياتها اجتمع مجلس النواب اللبناني ومرّر مشروع زيادة رواتب ومخصصّات النواب، وأقر معاش التقاعد للنائب مدى الحياة ولذريته من بعده، ورفع النسب حتى وصلت إلى مئة في المئة بحسب بقاء النائب في الندوة البرلمانية. وطبعاً تتقاضى زوجته من بعده الراتب كاملاً وبعد وفاتها يتحوّل راتبه إلى إبنته إذا كانت عزباء
وإذا تزوجت وتوفاه الله بإمكانها أن تتطلّق لتعود وتحصل على الراتب كاملاً..
فهل هذا التشريع معقول في بلد يعاني مشاكل اقتصادية غير طبيعية وشعبه يرزح تحت ألف ضائقة معيشية واجتماعية؟
لماذا سيارات النواب والمسؤولين الكبار تدخل البلاد من دون رسوم جمركية وهي سيارات باهظة الثمن؟ لماذا تسجّل من دون رسوم وبإعفاءات غير مبررة ما يُفقد الخزينة مبالغ كبيرة جداً؟ بينما يدفع المواطن الفقير البسيط أو المتوسط الحال نصف ثمن سيارته بدل جمرك وتسجيل وضريبة على القيمة المضافة؟
لن ندخل في باقي المخصصات وبدل السفر والتنقّل وغيره.. لائحة لا تنتهي.
وسأورد من جديد مقالة ثانية لكامل مروة وقبل 67 سنة أيضاً كتبها الأربعاء 13 آب 1952 في صحيفة “الحياة” ـ العدد 1922 ويقول فيها:
“يسألونك: أين الفساد أينه؟ لقد أسبل الغرض على أبصارهم غشاوة، فلم يعودوا يريدون الفساد في مواضعه، وأمسوا يقلبون شفاههم، ويهزون أكتافهم، ويقولون: وأين هو الفساد؟
يا سادة، الفساد ليس في صفقات والتزامات ومناقصات وإجازات فحسب. إنه، قبل هذه وفوقها، في عقلية الحاكم والحكومة. إنه في طغيان الشهوة الخاصة عند كل مواطن على أي قانون أو مصلحة عامة. ألا يكفي هذا الإنحلال الاجتماعي، للتدليل على الفساد؟
اذهب أيها القارئ وقِف على باب إحدى الدوائر أياً كانت من الصباح إلى المساء أو اصغِ إذا استطعت إلى المخابرات الهاتفية فيها، تجد الفساد متلبّساً كلّ زائر تقريباً، وكل مخاطبة. إنك لترى وفود النواب والوزراء والمتنفّذين ورسلهم يروحون ويغدون، لا لسبب إلاّ لكي يطلبوا إلى الموظف ـ من رئيس الوزارة إلى أصغر شرطي ـ أن يهضم حقّ القانون من أجل هذا أو ذاك، حتى لكأن جهاز الدولة مسخر لغاية واحدة: منع تنفيذ القانون بالسواء على الجميع !
طبعاً، إن ما يفعله رجال الدولة هو انعكاس صريح لعقلية الناس. ولكن من قال إن الفساد يجب أن ينعكس؟ وهل حضراتهم حماة القانون أم حماة الفساد؟
أجل، لم يبق مكان في هذه الدولة، وفي هذه البلاد، لم يعشعش فيه الفساد سيداً فوق كل فضيلة. ولكن تبعة المسوس تختلف عن تبعة السائس. فإذا فسدت الرعية تكون قد ضلّت، أما إذا فسد الراعي فإنه يكون قد أجرم. ونحن الآن عند هذا.
إذن لا تبحثوا عن الفساد. إنه في كل مكان. إنه فيكم أولاً عندما تسألون عن مواضع الفساد. فمن لا يعرف أين الفساد، لا يعرف نفسه.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

سبعة عشر + 5 =

جميع الحقوق محفوظة © جريدة لبنانون توداي 2017

تصميم وبرمجة قمة سوفت